يحيى بن معاذ الرازي

228

جواهر التصوف

وقال الصاوي : امتنع قربك من الركون لوجود تثبيتنا إياك ، وإذا امتنع القرب من الركون ، فامتناع الركون أولى . . لأن جواب لولا هو المقاربة ، ولأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، والمقاربة من فعل القبيح لا عذاب عليها عموما ، والكاملون يشدد عليهم على قدر مقامهم . قال العارف : وإذا منحت القرب فاعرف قدره * إن السخى لمن يحب شحيح * * * 367 - مثل الحكيم مع قلبه مثل البستاني مع بستانه ؛ في قلب العارف عشرة بساتين : بستان التوحيد ، وبستان اليقين ، وبستان المعرفة ، وبستان المحبة ، وبستان العلم ، وبستان الحلم ، وبستان السبيل والسنة ، وبستان التواضع والخشوع ، وبستان الحلال ، وبستان السخاوة والبذل . ويجب أن يدخل كل صباح تلك البساتين ، ويخرج ويقلع ما لا يصلح فيها . فيدخل بستان التوحيد ، فإذا رأى فيه شكّا أو شركا ونفاقا ورياء ، قلع ذلك ورمى به . ثم يدخل بستان اليقين ، فإذا رأى فيه حرصا وأملا وشينا وحقدا ورغبة ، قلع ذلك ورمى به . ثم يدخل بستان المعرفة ، فإذا رأى فيه تشبيها وتمثيلا أو تعطيلا . قلع ذلك ورمى به . ثم يدخل بستان المحبة فإذا رأى فيه اشتغالا بالأغيار ، أو حلاوة الخلق والديار ، قلع ذلك فرمى به . ثم يدخل بستان العلم ، فإذا رأى فيه جهلا وحمقا ، قلع ذلك فرمى به . ثم يدخل بستان الحلم ، فإذا رأى فيه غضبا أو حميّة أو تعززا أو خيانة أو عجزا ، قلع ذلك فرمى به . ثم يدخل بستان السنة ، فإذا رأى فيه بدعة أو محدثة أو زيغا أو هوى ، قلع ذلك فرمى به ، ثم يدخل بستان الخلاف ، فإذا رأى فيه حراما أو شبهة قلع ذلك ورمى به . ثم يدخل بستان البذل والسخاء ، فإذا رأى فيه بخلا أو منعا أو طمعا قلع ذلك ورمى به » . * ما ينمو من نباتات طفيلية وسط المزارع والبساتين تضر بالمزروعات فتنقل إليها الآفات وتشاركها الغذاء والأسمدة الموجودة في التربة ، ولذا نرى الفلاحين يقلعونها ويرمون بها بعيدا ، وهكذا يكون حال المسلم الصالح الموفق يراقب قلبه في كل حال ويخلصه من كل شائبة . * * * 368 - « لقنهم بأنه ربهم حتى قالوا : بلى » . * * * 369 - في الكلام على أخذ الميثاق في عالم الذرّ . . . قال يحيى أيضا بخصوصه : لما أخرج اللّه الذر من صلب آدم ، أوقفهم في الهواء ، وخاطبهم مخاطبة من يعقل ويرى مخاطبة الأرواح بأفهام حاضرة وأسماع سامعة ، وأبصار نظارة إلى لطيف لطائف القدرة ، فسمعوا خطاب الحق ، ونظروا إلى عظمة الحق ، ورأوا الجنة والنار ، وفهموا العهد والميثاق ، فأقروا بالتوحيد للواحد ، وبالطاعة للمعبود الصادق ، فربما وقع على العبد الحزن وهو لا يدرى وجهه ، وذلك لتذكير الروح بما أخذ