يحيى بن معاذ الرازي

210

جواهر التصوف

ونسوق مثالا مما ذكره الحكيم من حياة الجريري وتعبده : قال الجريري : منذ عشرين سنة ما مددت رجلي في الخلوة ، فإن حسن الأدب مع الله تعالى أولى ، فإن قيل : فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدّ رجله في الخلوة ، وكان أحسن العالمين أدبا ، قلنا ( والكلام للجريرى ) شأن أهل المعرفة أبسط وأوسع من شأن أهل العبادة ، ولكن لا إنكار عليهم في تضيقهم على أنفسهم ، لأن ذلك مقتضى أحوالهم ، وقد قال عليه السلام « لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى » : ( صحيح الجامع الصغير ) وفي رواية بزيادة « لا تدرون تنجون أو لا تنجون » وهو عليه السلام لم يفعل ذلك ، وأخبر أنهم لو تمت معرفتهم لفعلوه . * * * 339 - « ترى الخلق متعلّقين بالأسباب ، والعارف متعلّق بولىّ الأسباب ، إنما حديثه عن عظمة الله وقدرته ، وكرمه ورحمته ، يحترف بهذا دهره ، ويدخل به قبره » [ الحلية : 10 / 57 ] . * سنّة الله - جل وعلا - في كونه والتي لا تتبدل ولا تتغير أن جعل لكل شئ سببا ، فقد قعّد القواعد في تفاعل عناصر الكون بعضها مع البعض الآخر ، وفي تفاعل الإنسان معها حيث إنه محور الحياة على الأرض . . هذه الأسباب الظاهرة ليست هي كلّ شئ . . بل هناك سببان آخران هما كل شئ : مشيئة الله ، ووقت قدّره الله . . فمثلا : الدواء يكون سببا للشفاء إذا أراد الله للمريض الشفاء ، وفي الوقت الذي قدره الله . . فالأسباب الظاهرة لا تتفاعل بعيدا عن قيّومية الله وسلطانه ، فنار النمروذ لم تحرق إبراهيم عليه السلام كما أراد النمروذ ، ولكنها صارت بردا وسلاما كما أراد ولىّ الأسباب ، والمهيمن عليها . * والناس في النظر إلى الأسباب وفي التعامل معها ثلاثة قوم لا يرون سوى الأسباب فلا إله ولا مسبب سوى أنفسهم والدهر ، وهؤلاء هم الدّهريّون . وقوم قالوا إن الله وضع في كل شئ خاصيته وطبعه وتركه يفعل ويتفاعل بعيدا عن قيوميّة الله وهم الطبعيون . . وهذا رأى ضال مضلّ . والقول الصحيح والعقيدة السليمة أن الأمور متعلقة بثلاثة أشياء سبب قدره اللّه ومشيئة الله ووقت حدده الله ، فمن وقف عند الأسباب كانت حجابا له عن الله ، حتى قالوا : لولا أن الله شرع الأسباب لأعددناها نوعا من الكفر . . ولذا نرى العارف بالله وبأمره يكون تعلّقه بولي الأسباب ،