يحيى بن معاذ الرازي

206

جواهر التصوف

330 - « إنّ لله عبادا إذا مشوا على الأرض اهتزت تحت أقدامهم سرورا بهم » [ الكواكب الدرية : 1 / 273 ] * اهتزت الأرض تحت أقدامهم سرورا بهم مجازا أي سعدت بمشيهم عليها ، فالأرض تشقى وتسعد بمن عليها . . انظر فعل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عندما مرّ بالحجر في غزوة تبوك ، سجّى ثوبه على وجهه ، واستحثّ راحتله ، ثم قال : « لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم » وروى نحوه أحمد والشيخان . قال تعالى في عاقبة الكفار إن ماتوا : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ [ الدخان : 29 ] والمؤمن إذا مات تبكى عليه السماء والأرض فيبكى على المؤمن من الأرض مصلّاه ، ومن السماء مصعد عمله . كما روى الشيخان والترمذي وأحمد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لمّا وقف على حبل أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان اهتز الجبل ، فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « أثبت أحد ، فإنما عليك نبىّ وصدّيق وشهيدان » . * * * 331 - « ثلاث خصال من صفات الأولياء : الثّقة بالله في كل شئ ، الغنى به عن كلّ شئ ، الرّجوع إليه في كل شئ » [ طبقات السلمى : 26 ] . * الثقة بالله : أي حسن الظن به جل وعلا ، وقد سبق الكلام في حسن الظن بالله جل جلاله في باب الرجاء . * الغنى به عن كل شئ فالولىّ قد تحقّق بالحقيقة التي هي أن الحوائج كلها لا تكون إلا إليه ، فغيره لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ، فكيف يملك ذلك لغيره فمن تحقق بذلك وبافتقاره إليه تماما أغناه عن جميع الخلائق ، وأعطاه ما يحتاج إليه ومن غير سؤال فالكريم يكفيه الحال ، ويكون السؤال تعبّدا وفي الخبر « من سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يديه » : * الرجوع إليه في كل شئ : قال سعيد بن جبير رحمه الله في قوله تعالى : إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً [ الإسراء : 25 ] قال : يعنى الراجعين إلى الله عز وجل . هذا في التوبة وغيرها كثير . . منه : موافقة العبد لله تعالى في إرادته ومشيئته قبل القضاء ، والتسليم بعد القضاء . . ومنه الاستعانة به في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة مع الأخذ بالأسباب فهو الفعّال لما يريد فلا يعتمد العبد على غير سيّدة ولا يثق في سواه ، ومنها تقديم المشيئة قبل كل فعل . . قال تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أي إنه فعال لما يريد ، وأن الأمور كلها قضاؤها متعلّق بمشيئته ورهن إرادته وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً [ الكهف : 23 ، 24 ] . * * *