يحيى بن معاذ الرازي

178

جواهر التصوف

270 - « القلوب كالقدور في الصّدور تغلى بما فيها ، ومغارفها ألسنتها ، فانظر الرجل حتى يتكلم ؛ فإنّ لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض ، وعذب وأجاج ، يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه » [ الحلية : 10 / 63 ] . * قلوب الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الألسنة ، تكشف عما فيها من ذكاء أو عىّ ، وحبّ أو بغض ، وما يشغلها : اللّه أو سواه . وكما أن هناك القدر العادي والقدر الكاتم ، أيضا هناك القلب الناطق والقلب الصامت ، والذين تضيق صدورهم بما يرد على قلوبهم من فيوضات فتفور على ألسنتهم ، يتأخر صلاح قلوبهم عمن سواهم ، فكلامهم قد يكون رياء وعجبا وقد يجر حسد غيره له ، بخلاف الكاتم فإنه يستوى قبل غيره . * * * 271 - « من أقام قلبه عند اللّه سكن ، ومن أرسله في الناس اضطرب » [ الحلية : 10 / 67 ] . * من جمع قلبه على اللّه فلا يشغله سواه ، فإذا كان له مطلب قصد اللّه ، وفي كل أمر يكون رجوعه إلى اللّه سكن قلبه واطمأنت نفسه ؛ ومن أرسله في الناس اضطرب ؛ لما يرى من اختلاف أحوالهم ومساوى أفعالهم . وروى الترمذي عن أنس رضى اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من كانت الآخرة همّه ، جعل اللّه غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ؛ ومن كانت الدنيا همّه ، جعل اللّه فقره بين عينيه وفرّق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له » ( صحيح الجامع الصغير ) . * * * 272 - « مجالس المخالفة تعمى الرّوح ، ورؤية الأضداد تمنع الذّوق » [ اللمع : 267 ] . * الروح مخلوقة كالبدن ، ولكنها ليست من طينته ، فهي جسم لطيف أو معنى وسط جسم كثيف ، وهي في داخل الجسم ذات قائمة بنفسها حرّة الحركة ، لا يقيّدها الجسم في شئ ، تروح وتجىء وتسكن كما تشاء ، ولا تنقص شيئا لو بتر عضو أو أكثر من صاحبها . وتشبيهها بالتيار الكهربى في عدم رؤيته وسريانه في الأجهزة لتحريكها أقرب مثال . وباتحاد الروح والبدن تكون النّفس ؛ والنفس والبدن يتأثر كلّ منهما بالآخر ويأخذ عنه ، فيكتسب البدن الطيّب أو الخبث من طيب النفس أو خبثها ، كما تكتسب النفس الطيب أو الخبث