يحيى بن معاذ الرازي
173
جواهر التصوف
( ب ) مراقبة النفس في سعيها إلى باريها ، ومتابعة التزامها بخلوص النّية للّه وحده في كل عمل قلّ أو جلّ ، وهذا الإخلاص هو المعيار الحقيقي لعمل الظاهر ، وعلى أساسه تكون قيمته ، ومن ثمّ عائده الدنيوي والأخروى ، ومن هنا يلزم دوام المراقبة والمتابعة ، وعدم الركون إلى صلاح النفس . . . لأن النفس لا تنفكّ عن طبيعتها المتقلّبة . . . وهل تخلّى الشيطان عن الكيد لها والوسوسة إليها ؟ ! وهل أهملت الدنيا زينتها ؟ ! كلّا ، فالنفس إن طهرت بالمجاهدة من الصفات الدّنيّة كالحسد والبخل والرياء والحقد . . وغير ذلك ، تحولت الحرباء إلى حبّ الثناء من الناس ، وحسن المنزلة عندهم ، وإلى الرغبة في المقامات العلا عند اللّه ، عوضا عن المويقات التي تحولت عنها . . . ورغباتها هذه وإن كانت أقلّ من سابقتها في المخالفة ، إلا أنها مما يشين العبوديّة الحقّة ، ومن هنا كانت المراقبة والمتابعة للنفس ، ونصب ميزان المحاسبة دوما لها ، ضرورة يجب أن لا يغفل عنها المريد لطريق اللّه وحده ، كما لا يترك الاستعانة باللّه أبدا وإن تراءى له سكون النّفس ، فقد تهدأ بعض الوقت كبعض البراكين ثم تثور منفّثة عما يعتلج في داخلها من نار وفوران . قال تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [ النمل : 62 ] . وقال ابن عربى رحمه اللّه لا يصل إلى القربات إلا من كان طالبا للذّات . بهذا ينصلح حال النفس - إن شاء اللّه تعالى - ولا يضره فساد من حولها من الأنفس إذا ما تجنّبها ، ووقى نفسه منها إلا لضرورة خالطها . * * * 263 - « من سعادة المرء أن يكون خصمه فهما ، وخصمي لا فهم له . قيل له ومن خصمك ؟ قال : خصمي نفسي ولا فهم لها ، تبيع الجنّة بما فيها من النّعيم المقيم والخلود فيها بشهوة ساعة في دار الدّنيا » [ الصفوة : 4 / 94 ] * في الأمثال العربية : عدوّ عاقل خير من صديق جاهل » وهذه التي تبيع الخلود في جنات النعيم في مقابل شهوة معجّلة ، قد لا تصل إلى ساعة ستّين دقيقة من شهوات الدنيا الفانية ؛ ليست بأقلّ حمقا من الدّبّ في الحكاية القديمة - الذي أراد أن يطرد الذّباب عن وجه صاحبه النائم ، والذّباب لحوح بطبعه ، كلّما ذبّ آب ، فلما يئس الدّبّ من طرده جاء بحجر كبير ورمى به رأس صاحبه ليقتل الذباب فقتل صاحبه . وخطورة النفس أشدّ وأقسى ؛ فالدب حرم صاحبه من الدنيا ، والنفس تحرم صاحبها من نعيم الآخرة ، والآخرة خير وأبقى . * * * 264 - « لا تسكن إلى نفسك وإن دعتك إلى الرّغائب » [ الحلية : 10 / 56 ] * الرّغائب مفردها رغيبة أي المرغوب فيها ، واصطلاحا الأعمال الطيبة التي يرجى من فعلها الثّواب العظيم .