يحيى بن معاذ الرازي
145
جواهر التصوف
بالزهد أو يدّعيه سترا لهروبه من مشقة الأعمال فهذه بطالة ممقوتة لا يرتضيها الإسلام الذي يدعو إلى السّعى في الأرض وتعميرها لتوفير الحياة الحرة الكريمة له ولمن حوله ، روى عن الفاروق عمر رضى اللّه تعالى عنه قال « لا يقعدنّ أحدكم عن طلب الرّزق ، ويقول : اللهمّ ارزقني ، فلقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ، وأن الأرض لا تنبت فضة » . وإن كان الشغل مجهدة ، فالفراغ مفسدة . * * * 211 - « الزاهد صافي الظاهر مختلط الباطن ، والعارف صافي الباطن مختلط الظاهر » [ طبقات السلمى : 27 ] . * الزاهد صافي الظاهر ؛ فقد تجنّب المزاحمة على الدنيا مع طلابها ، وتنزّهت سلوكيّاته عن الطمع والغشّ والخداع ، أما باطنه ففي صراع بين دواعي الطّبع وفضيلة الزّهد . * العارف صافي الباطن ، فقد عرف اللّه على الحقيقة ، عرفه بأسمائه وصفاته ، فاطمأن قلبه وحسنت سريرته ، أما ظاهره فمحل متغيرات حسب ما يرد عليه : ومن صفاته : 1 - دوام التفكير لأنه كلما ازداد معرفة باللّه ازداد تحيّرا فيه . 2 - ملازمة الصّمت ويقطعه فيض العين بالدمع ممّا عرف من الحقّ . 3 - متبرم بالبقاء في هيكله لما عرف أنّ من أحبّ لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه . 4 - تغلب عليه صفة الرحمة والحلم مع الناس جميعا . 5 - دائم الذّكر للّه ، كما أنّ من يراه لا يملك إلا أن يذكر اللّه . 6 - ذو همّة فعّالة ، وصاحب غيرة على محارم اللّه أن تنتهك . 7 - تبدو عليه علامة الفقير مع ما هو فيه من عزّة وغنى عن الخلق . 8 - يرتقى في معرفته من حال إلى حال أرفع ، ولذا قالوا : « العارف ابن وقته » ، وكذلك قال عنه ذو النون : « كان هنا وذهب » . * * * 212 - « الزاهد في عرض الدّنيا ، والعارف في الآخرة » . * الزاهد من زهد في عرض الدنيا ومتاعها ، أمّا العارف فلا يعرض عن الطيّبات من الرزق التي أخرج اللّه لعباده ، إنما زهده أن لا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقود ، فقد استقرّ في وجدانه أن ما كان له لا يفوته ، ولا يدركه ما ليس له ، واستراح قلبه من ناحية الطلب والزّهد أيضا ، فالدنيا لا تشغله حتى يزهد فيها ، فهو لا يرى سوى ربّه . وهذا هو أيضا الفرق بين زهد الذاهد ، وزهد الصّوفى .