يحيى بن معاذ الرازي
137
جواهر التصوف
الباب السادس عشر الزهد 199 - قال شيخنا يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى في الزهد : « الزّهد في ثلاثة أشياء : القلّة ، والجوع ، والخلوة » [ الرسالة : 27 ] . * أي أن الزهد يتحقّق في الظاهر في ثلاثة أشياء ذكرها الشيخ ، أمّا الزهد في الباطن فلم يذكره شيخنا ، وهو أولى بالذّكر ، وهو أن يخلص العبد في عمله وقوله فلا يكونا إلا للّه ، لا يبغى بهما شيئا من الدنيا أو من الخلق . أولا القلة : أي الاقتصار على قليل من متاع الدنيا ؛ قال الراغب الأصفهاني : « القناعة : الرّضا بما دون الكفاية ، والزّهد : الاقتصار على الزّهيد أي القليل ، وهما يتقاربان ، ولكن القناعة تقال اعتبارا برضى النّفس ، والزهد يقال اعتبارا بالتناول لحظّ النفس . . ولذا قال الصّوفية : القناعة أوّل الزّهد . * ولو رضى العبد بعطيته لكان في ذلك قناعته وكفايته ، ولكن تطلعه إلى ما فوق حاجته يفتح عليه بابا عريضا من الفقر لا يسدّ ، والحديث : « ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التّراب » ، وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] . والاقتصار على ما يكفى فيه غنى النفس ، وفي البخاري من حديث أبي هريرة يرفعه : « ليس الغنىّ عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النّفس » ؛ ويقول الشاعر الحكيم : غنى النّفس ما يكفيك عن سدّ خلّة * فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا وقال آخر : خذ من العيش ما كفى * فهو إن زاد أتلفا كسراج منور * إن طفا دهنه انطفا * والعبد أبصر بنفسه وبما تصلح معه . . فمن الرعيل الأول : الإمام أحمد بن حنبل كان يصلح معه خشن العيش ، بينما كان مالك والشافعي يستعملان رقيق العيش ، وهذا سفيان الثوري كان إذا سافر حمل معه اللحم المشوىّ والفالوذج ( المهلبية ) وكان يقول : « الدابّة ( يقصد نفسه ) إذا لم تحسن إليها لا تعمل » ؛ وقالت رابعة : « إن كانت حياة قلبك مع الفالوذج فكله » . ثانيا الجوع : ليس من السّنن الكونية أن الإنسان يعيش ليأكل ، ولكن المطلوب أن يأكل ليعيش ، وقد علّمنا الإسلام القدر النافع من الطعوم للإنسان ؛ قال تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا