يحيى بن معاذ الرازي

132

جواهر التصوف

والحديث الصحيح « عجب ربّنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل » رواه أحمد والبخاري وأبو داود وهذه المقاود هي الأسباب الموصلة إلى رضا الله فقد أمرنا بالعمل حسب شريعة الله ، وإلا فالعاقبة سوء المصير . . فولد هذا الوعيد خوفا هيج النفس إلى مجانبة المعاصي والإقبال على الطاعات . . فمن سبق له في الأزل السعادة تيسرت له أسبابها حتى تقوده بمقاودها إلى الجنة ، قال تعالى وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : 73 ] وروى الطبراني عن ابن عباس وعن عمران بن حصين باسناد صحيح ، قال رجل : يا رسول الله أنعمل فيما جرت به المقادير وجف به القلم ، أو شئ نستأنفه ؟ قال : « بما جرت به المقادير وجف به القلم » قال : ففيم العمل ؟ قال « اعملوا ، فكل ميسر لما خلق له » وروى الشيخان من حديث على قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا المصطفى صلى الله عليه وسلم فقعد ، وقعدنا حوله ومعه مخصرة ( عصا قصيرة ) فنكس ، وجعل ينكث بمخصرته ، ثم قال : « ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ، ومقعده من الجنة » فقالوا : يا رسول الله أفلا تتكل على كتابنا ؟ فقال : « اعملوا ، كل ميسر لما خلق له » . هذا وقد قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] وقال : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] . * * * 192 - « الكيس من عمال الله يلهج بتقويم الفرائض ، والجاهل يعنى بطلب الفضائل وتقويم الأعمال في تصحيح العزائم » ( الصفوة : 4 / 92 ] * الكيس : العاقل الفطن ، وعمال الله أي عابدوه وأهل الصدق معه . . والعاقل من عباد الله من يكون شغله الشاغل ما افترضه الله عليه ، والحديث القدسي فيما رواه البخاري في كتاب التواضع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل « . . وما تقرب إلى عبدي بشئ أحبّ إلىّ مما افترضت عليه » فيسعى الكيس في مرضاة الله يقيم فرائضه بشروط صحتها وآدابها ، أما غيره فيسعى في طلب الفضائل النفسية وما درى أن عن طريق اجتهاده في طاعة الله على الوجه الأكمل يتم له تزكية الأخلاق وتصحيح العزائم عن غير قصد منه ، وذلك من فضل الله ، فمثلا الصلاة تغرس في النفس : احترام المواعيد ، والنظافة ، والنظام ، والطاعة ، . . قال تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] والصوم يعلم الصبر ، وقوة العزيمة وما أجمل أن نسرد هنا ما قاله شوقى أمير الشعراء رحمه الله في الصوم . الصوم هو : حرمان مشروع ، وتأديب بالجوع ، وخشوع لله وخضوع ، ولكل فريضة حكمة ، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة ، يستثير الشفقة ويحض على الصدقة ، ويكسر الكبر ،