يحيى بن معاذ الرازي
116
جواهر التصوف
* يرزق العبد طاعته لربّه ، وكلّ ميسّر لما خلق له ، ولا ينال ما عند الله إلا برضاه ، والمطلوب أن ندعو الله أن ييسّر لنا طاعته ويحببها إلينا ويعيننا على أدائها وأن يمنّ علينا بقبولها ومن حديث الفاتحة : « إذا قال عبدي إيّاك نعبد وإيّاك نستعين قال الله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل » ، ومن الحديث النبوي « يا معاذ ، لا تدعنّ أن تقول دبر كلّ صلاة : اللهمّ أعنّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » ، وممّا يجعل الدّعاء أرجى للقبول أن تكون الطّعمة من حلال ، ويروى في ذلك يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك » . . ولقبول الدعاء أسباب انظرها في كتابنا - إن شئت - مفاتيح الاستجابة . * * * 171 - « أبناء الدنيا يخدمهم الإماء والعبيد وأبناء الآخرة يخدمهم الأبرار والأحرار » [ الرسالة : 172 ] * الإماء مفردها أمة ، وهي الجارية من السبايا والمملوكات . من الناس صنف باعوا أنفسهم للدنيا ، ذمّهم النبي صلى الله عليهم وسلم في حديث البخاري « تّعس عبد الدينار وعبد الدّرهم وعبد الخميصة ( والخميصة : ثوب أسود أو أحمر له أعلام ) إن أعطى رضى ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش » شيك أي أصابته شوكة ، ولا انتقش : أي لا أخرجها . . عبيد الدنيا أقبلوا عليها فأقبلت عليهم ، واستزلوا الناس بأموالهم ، فخدمهم عبيد للدنيا مثلهم ، لكن لم ينالوا حظّهم . أمّا من باع نفسه لله فقد أعتق رقبته ، وملك حرّيته . . ولعلو منزلته عند مليكه وخالقه طوّع له من يقوم على خدمته . . ولأن الشيخ يحيى لم يحدّد لنا موطن الخدمة فكان لزاما أن نذكر خدمه في الدنيا كذلك خدمه في الآخرة . . فقد أعانت الملائكة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، كما قام عبد الله بن أريقط بدور الدليل في الهجرة المباركة على خير وجه ، ورغم أنه كان مشركا فلم يفش إلى كفار مكة شيئا ، وها هي السيدة أمّ سلمة تخرج بوليدها سلمة من مكة لتلحق بزوجها أبى سلمة في المدينة ، خرجت وحدها لارفقه تؤنسها ، ولا دليل يرشدها ، وعند التنعيم قيض الله لها رجلا شهما قام بإرشادها إلى المدينة لّما عرف أنها تسافر وحدها ، ذلك الرجل هو عثمان بن طلحة وكان وقتها كافرا . . ولما يدخل أبناء الآخرة الجنة يخدمهم غلمان مخلّدون ، قال تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ [ الواقعة : 17 ] ، وهؤلاء الغلمان الأبرار الأحرار فيهم أقوال : قيل إنهم أطفال المسلمين ، وقيل أطفال المشركين ماتوا ولا حسنة لهم ولا سيئة عليهم ، وقيل إنهم غلمان أنشأهم الله تعالى خدّاما لأهل الجنة ، وهذا القول يميل إليه ابن القيم في حادي الأرواح : 154 . وقال ابن عربى : ليس الشيخ من تخدمه الملوك الدنيوية ، إنما الشيخ من تخدمه الملائكة العلوية .