الحارث المحاسبي

6

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

المظاهر ، وظواهر الترف ، وتشابك المصالح وتعقدها ، وخفاء أعمال القلوب تبعا لهذا التعقيد في وسائل العيش . أي إنه لم تكن هناك أمية في فقه أعمال القلوب ولا في أعمال الجوارح في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى يحتاج الأمر إلى ظهور طائفة تنفرد بدرس أعمال القلوب ، وطائفة بدرس أعمال الجوارح ، بل كان العلم فيهما مجتمعا وصحيحا ودقيقا ، لا يحتاج إلى مزيد . والمتتبع للسنة النبوية يستطيع أن بعد الحالات التي عرضت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم للاستفتاء في أعمال القلوب ، وأغلبها كانت في خوالج تساور قلوب الغزاة والمجاهدين إذ هو الموقف الذي أبيح فيه ما لا يباح في غيره ، كالتبختر بين الصفوف مثلا . وإلى جانب هذه الدقة البالغة في تحديد مشاعر القلوب عند العمل حتى تنفق مع مقصد الشريعة من العمل ، كانت هناك دقة بالغة كذلك في الجانب الشكلي للشريعة ، ورأسها قوة التمسك بالسنة ، وكراهة البدعة ، حتى لقد قبض عمر بن الخطاب على رافع عقب الصلاة ، وذهب به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنه سمعه يقرأ سورة الفرقان على حرف لم يعرفه عمر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وخشية أن تكون البدعة قد أطلت برأسها ، لا سيما وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كان يحذر من البدعة وهو في حال من الإشفاق لا ينساها أحد من أهل عصره رآها أو بلغته ، حتى بلغتنا فيما أخرجه مسلم عن جابر أنه كان يعلو صوته ، وتحمر عيناه ، ويشتد غضبه ، كأنه منذر جيش وهو يقول : « أما بعد . . . فإن خير الحديث كتاب اللّه ، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، أنا أولى بكل مؤمن » . ونظرا لارتباط البدعة بعبادة الهوى ، وارتباط عبادة الهوى بالنفس ثم بالقلب ، فقد ارتبطت البدعة بفساد العقيدة في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما تحت ظل السماء من إله يعبد أعظم عند اللّه من هوى متبع » . وما ذاك إلا لأن كل بدعة إنما هي داء يقضي على سنة من السنن ، حتى لا تبقى إلا البدع التي أطلق العلماء على أصحابها اسم ( أهل الأهواء ) . بعد عصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : ومن دلائل نبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ودلائل عظمة الأمية في شخصه : أنه كان شامل النظرة ، بعيد مدى الرؤية للأحداث ، صادق التقدير ، حينما بدأ بما ستكون عليه الأمة من بعده ، وقد مرت بنا صورة المجتمع المرائي بعد عصره كما صورها ، وصدق فيها ، والآن نراه يصور مجتمع المبتدعين الذين يقودهم الهوى الباطن من بعده فقال فيما أخرجه أبو داود وأحمد عن معاوية : « ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة ،