الحارث المحاسبي

3

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )

مقدمة الطبعة الثانية فقه أعمال القلوب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في عصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : بعث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وكان الإنسان قد أخلد إلى الأرض بكل همته ومشاعره ومواهبه التي كرمه اللّه من أجلها ، فعبد ما في الأرض ، وعمل لزينة الأرض ، واستعبد لما في الأرض وما على الأرض . وكانت الرسالة التي حققها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم هي : « رفع همة الإنسان من التسفل إلى التسامي ، أو من الزيف إلى الحقيقة » . فعلم الناس أن يتوجهوا بعباداتهم إلى اللّه ، وأن يعملوا في عمران الأرض وأمور المعاش يبتغون بذلك وجها من وجوه رضوان اللّه ، فتوحد تحت لواء الإسلام كل الإنسان المسلم في الباطن الذي يقوده القلب ، وإن كان في ظاهره منقسما إلى ظاهر وباطن ، ولكنه في الحقيقة كان يعتصم بحركات القلب في عمل العقيدة والعبادة القلبي ، وعمل الجوارح في مظاهر العبادة وعمران الحياة على السواء . ولقد حفل القرآن الكريم بالحث على ربط العمل بالقلب في جميع الأعمال وتخليص القلب من كل النوايا إلا نية العمل للّه دون طلب جزاء ولا شكر من أحد . وكانت عناية القرآن بهذا الأصل مرتبطة بتصفية العقيدة من شوائب الشرك الجلي والخفي ، فقال تعالى : . . . فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً . ويروي الحاكم النيسابوري أن هذه الآية نزلت حينما سأل رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قائلا : يا رسول اللّه إني أقف الموقف أريد وجه اللّه ، وأريد أن يرى موطني ، يعني : يريد اللّه بجهاده ، وفي الوقت نفسه يريد أن يعرف الناس شجاعته وشدة بلائه في الحرب . ومن هنا تقرر في الإسلام أن تحديد الإرادة من العمل يجب أن يرتبط بالعمل . فيرتبط القلب بالجوارح في العمل ، وينقضي عمل الجوارح . ولكن عمل القلب يبقى حارسا أمينا على عقيدة المسلم أن تزيغ فيبطل العمل بعد انقضائه على وجه من وجوه