الحارث المحاسبي
10
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )
كتب ، وكأنه كان يدرك أن التيار سوف يجترف العالم الإسلامي فيفرقه بين موجات الضلال الوافد . كان يدرك أن العالم الإسلامي سوف يحتاج إلى كتب مدونة في أعمال القلوب ، ولن تجديه المناقشات الشفوية ، ولا الأقوال المتناثرة ، وهو يقول في ذلك : « فجميع الخلق في فنون الطاعات ، وتحذير الباطل في مذاهبه إذا جمع وألف كان أنشط لحفظه وتفهمه . لمن كان لا ينشط لأن يطلب علمه حتى يجمعه . وليس من تفرد بكتاب يقرؤه وحده متثبتا فيه ، لا يشغله عنه سبب يقطعه كمن نازع غيره . لأنه يعترض في المناظرة آفات كبيرة من العجب بالرأي » . لقد اشتغلت جماعات الصوفية من بعد المحاسبي في طريق امتدادها بالقول في المقامات والمواجيد والكرامات . ثم تطور الحال إلى ظهور أهل الفتوة واختلطوا بالشطار والعيارين . ثم ظهور « القلندرية » التي تطورت عن الملامستية ، وأقدم من عرف من شيوخها قطب الدين حيدر التوني المتوفى عام 618 ه . ويقال : أنه أباح لأتباعه تناول الحشيش ، وأطلق عليه « مدامة حيدر » . وصار ذلك من تقاليد طريقته مع تقاليد أخرى منها حلق الشعر من الوجه كله وعدم التقيد بالآداب الاجتماعية المعروفة وإهمال الواجبات الشرعية ، ولبس جلود الضأن مما جعل التصوف ينزع نحو شكليات غامضة لمجرد جذب النفوس . ثم كان تسلط التصوف النظري الذي كان هدفه في الحقيقة هو احتواء الفلسفات الأجنبية في نطاق الفكر الإسلامي ، ولكن سطوة القول في الحقائق لا سيما الحقيقة المحمدية كانت هي الأخرى مصدرا لمتاعب فكرية هائلة إذ احتقر الصوفية من هذا النوع علماء الشريعة . وسموهم « علماء الأوراق » أو « علماء السطور » ، وأطلقوا على أنفسهم « علماء الأذواق » أو « علماء الصدور » . الأمر الذي نشأت من أجله عداوة بين الفريق ، ورمى كل فريق صاحبه بالعظائم ، ومضى كل في طريقه ، حتى ظهر الغزالي ، فحاول الربط بين فقه أعمال القلوب وفقه أعمال الجوارح في كتابه « إحياء علوم الدين » الذي يعتبر امتدادا لمؤلفات المحاسبي ، وإحياء لها بعد توسيع مفاهيمها وتعميقها . ومضى العالم الإسلامي في تجربته المريرة بعد تدهور سلطان دولته ، وتغير الكثير من المفاهيم والمصطلحات الإسلامية ، وراح الكثيرون من المسلمين يتلمسون علاج نفوسهم الممزقة في ظلال علم النفس المستورد ، ونسوا أن تراث المحاسبي يشكل مدرسة هائلة للتحليل النفسي الناجح والدقيق لا نجد منهجها في أي مدرسة من مدارس علم النفس الحديث . الأمر الذي يجعل هذا التراث ضرورة للعالم الإسلامي في بعثه الجديد . ويقظته التي شملت أقطار العالم في العصر الحديث . عبد القادر أحمد عطا