الحارث المحاسبي
33
المسائل
وأن يتوخى نشاطه ، ويجتنب كسله ، فإذا رأى منه فترة « 1 » رفع عنه المذاكرة ، وإن رأى منه نشاطا ساء له عما يحتاج إليه . قلت : أي العبادة أفضل بعد العلم باللّه وتعظيمه ، وبعد إدخال المرفق على العباد ؟ قال : أفضل العبادة بعد ما سألت عنه طول المقام بين يدي اللّه عز وجل ، بحسن الخبر ، والخشوع للّه جلّ ثناؤه . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك في الوقت الذي زال فيه عن محاربة الأعداء : « وجعلت قرّة عيني في الصلاة » « 2 » . أي قررت بها عينا « 3 » . فأفضل الأعمال بعد العلم باللّه ، والسعي على عباد اللّه تعالى الصلاة ، لأنه يصلي بأكثر الأشياء ، فالصلاة منتظمة لأعمال البر ، إلا إدخال المرافق . فالمصلي محرم ، والمصلي ملبّ ، والمصلي مجاهد ، والمصلي صائم . فهو محرم لأنه أمّ البيت ، واحتمى عما يحتمي المحرم . وهو ملبّ لأنه أجاب الداعي . ومعنى التلبية الإجابة ، وقد روي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه كان إذا نهض إلى الصلاة يقول : « لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والمهدي من هديت ، لبيك رب البيت » « 4 » . وقال : « ما همني أمر قطّ إلا صلّيت له ركعتين » يقول : أحللت له بالخشوع وحسن الخضوع ، « فسألت اللّه الكريم النظر إلي بجوده إلا أعطيت ما سألت » . قلت : ما المحافظة على الصلاة ؟ قال : المحافظة على الصلاة القيام عليها في أول وقتها ، بشدة عناية وخضوع واستكانة ، والتهيؤ لها بمثل الدخول فيها ، بأحسن زينة من الوقار والسكينة . فإذا استفتح جمع همّه ، وأحضر ذهنه ، وأشعر قلبه تعظيم من قام بين يديه ، وجعل موضع سجوده بين عينيه ، وأوقع بصره عليه . فإنه روي عن علي بن أبي طالب أنه قال لعبد اللّه بن جعفر « 5 » : « إذا قمت للصلاة ، فأوقع بصرك موضع سجودك » .
--> ( 1 ) الفترة : الانكسار والضعف . ( 2 ) أخرجه القاضي عياض في ( الشفا 1 / 120 ) . ( 3 ) قرّت عينه قرّة : هدأت ( كناية عن السرور ) فهو قرير العين ، وعينه قريرة . يقال : قرّ بهذا الأمر عينا ؛ أي : سرّ ، ورضي . ( 4 ) أخرجه مالك في الموطّأ ( حج 28 ) ، والدارمي ( مناسك 13 ، 34 ) ، وأحمد بن حنبل 2 / 3 ، 28 ، 34 ، 41 ، 43 ، 47 ، 48 ، 53 ، 77 ، 79 ؛ 3 / 32 ، 320 ؛ 6 / 32 ، 100 ، 181 ، 229 ، 230 ، 243 . ( 5 ) هو عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ( 1 - 80 ه - 622 -