الحارث المحاسبي
20
المسائل
فاحذره أن يوقعك فيما وقع فيه ، فإنّ أحب الأمور إليه أن يسقطك في الأمر الذي كان من قبله سقوطه : الكبر والحسد . فإنه أول ما عصى اللّه به . فانظر ما أنت صائر إليه ، واحذره أن يصيرك إلى ما صار إليه . الكبر والحسد والغش قلت : وأي شيء الكبر ؟ وما يبعث عليه ؟ قال : أما الكبر ، فإنّ نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الكبر : ما هو يا رسول اللّه ؟ فقال : « الكبر أن تبطر الحق ، وتغمض الناس » « 1 » . فبطر الحق رده ، وغمض الناس محقرتهم . فالذي يبعث على الكبر أن ينسى نعمة من هو فوقه ، واستعلاءه عليه ، وشدة فقره إليه ، فأما إذا ذكر أنه أغناه في سيب المنافع إليه ، وصرف المضار عنه ، حل بالاستكانة ، وحلّ به ذلّ الحاجة إليه . وإذا نظر إلى النعمة ، وشغلته الملاهي عنها باتباع الهوى عن أداء شكرها ، نسي الذكر ، واشتغل عن الشكر ، وحلّ بالكبر ، فهذا هو الكبر الذي هو يبطر الحق . وأما الكبر الذي هو غمض الناس ، فإنه ينظر إلى نفسه بعظم القدر ، وإلى غيره بصغر القيمة ، وإلى نفسه بالاستغناء عنه ، وإلى غيره بالحاجة إليه ، فيستحسن من نفسه سيىء ما كان منه ، ولا يستحسن أحسن ما كان من غيره . ويرى الناس لا ينظرون إليه بما ينظر به إلى نفسه ، ويرى بالمقادير معنى العدل ، ويختار منهم الفضل ، ويحمل نفسه على غير سبيل العدل ، إذ لم يستويا في الأصل ، وينسى موضع الاختيار ، وينسى ما قسم بينهم الجبار ، وهو أصل معصية اللعين ، إذ قال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * [ ص : 76 ] . فهذه أصول مذاهب الكبر . فإذا صغر قدر العبد حلّ بالكبر ، وإذا بلغ التمام في القدر ، استحيا من صغر الكبر ، لأنه يبطر الأصغر وإن كان في المقدار كبيرا ، لشغله عن الكبر بحسن التدبير ، ولا يتواضع إلا كبير . فإذا حلّ بالتواضع رفع عن منزلة الوضيع . وإذا تكبر حلّ به الذل ، وصار دون كل رفيع ، إذ ثبت أنه عند نفسه وضيع . وذلك أنّ اللّه تعالى أراد من العباد أن يطيعوه ويعظموه ، ويخشعوا له ويخضعوا ، فإذا أحبّ العبد
--> ( 1 ) أخرجه السيوطي في ( الدر المنثور 4 / 114 ) ، وابن كثير في ( التفسير 1 / 146 ) .