الحارث المحاسبي

14

المسائل

فعالم مع صمته ، ومتعلم حسنت في التعليم نيته ، ومفكر كانت بغيته على الصمت بعد همته . فأما العالم فأول ما يلزم قلبه شدة التعظيم . وأما المتعلم فأول ما يلزم قلبه حسن التسليم . وأما المفكر فأول ما يلزم قلبه شدة الوجل « 1 » ، وحسن انبعاث العمل . ثم تلزم العالم مع تعليمه للّه تعالى المحبة ، مع شدة الهيبة . ويلزم قلب المتعلم وقار الفائدة ، مع انتظار الزائدة . ويلزم المفكر الذي انبعث من تقصيره إلى التفكر في كدّ العمل ، شدة الوجل من فرط التقصير ، وكثرة تذكر ما إليه يصير . فأول أبواب العبادات التفكر مع الزهادة في المعاصي ، فإنّ الفكرة تفتح ما بعدها ، وتحسن لصاحبها معونتها ، وهي أكبر عبادة القلب ، وأبعدها من سخط الرب . فالفكرة تعين على عبادة الباطن ، وبها يقوى العبد على الظاهر ، يؤنس بها من الوحشة ، ويستعان بها على الوحدة ، وهي مفتاح الحكمة بأكرم الوسم ، ويلزم صاحبها حسن الاسم ، يعلو صاحبها الوقار ، ويأمن جليسه تبعة الإسرار . فإذا أحكم التفكر هجم على لطيف الحكمة ، وبعدت منه التهمة ، وتنبه من ساعات الغفلة ، لأن قلبه لزمته العبادة ، وصار من العبادة إلى العناية . وقد قيل : « اقتربوا من صاحب الصمت ، فإنه يلقى الحكمة » . ثم تفتح للحكيم المتفكر الصامت الورع من أنواع أبواب البر ، في الجهر والسر ما ينشرح بالبر صدره ، فتزول عنه مكابدة الهوى ، وشدة مؤنة الأعداء ، فلا تكون عليه تبعة . الغنى والشّكر والفقر قلت : الغنى ما هو ؟ قال : الغنى إعظام النعم ، والدوام في أداء الشكر ، وقلة الاهتمام بما تكفل به الرب . فمن عظمّ نعم ربه أحبه ، وأدأب شكره .

--> ( 1 ) الوجل : الخوف والفزع ( ج ) أوجال .