الحارث المحاسبي

11

المسائل

إذا عرض لهم وجه إنفاق لم يمنعوها . ليس معهم ضن بها ، يحبسونها إذا كان الحبس أفضل ، ويمضونها إذا كان الإمضاء أفضل . فمن قام هذا المقام ، فهو مقام النبيين وصالح المؤمنين . قالت : ما الذي يبعث على الزهد في الدنيا ؟ قال : أما الذي يبعث على الزهد في الدنيا فقصر الأمل ، والجد في العمل ، فإذا قصر أمله حسن عمله ، وزهد في حبس الأموال إذ نظر إلى الأشياء بالزوال . فمن لم ينظر إلا إلى يومه ، ورأى أن غدا ليس من أيام عمره ، لم يطل أمله ، ولم يقصر في عمله . وإذا رأى أن حرصه على الشيء لا يوجبه له ، وأن زهده فيه لا يصرفه عنه ، زهد فيه ، وهان عليه الإعراض عن متاع الحياة الدنيا ، وصار أمله في الذي هو خير وأبقى ، فلم يشغل نفسه في قليل زائل ، وصار شغله بما إذا صار إليه من نعيم الآخرة طال معه الحلول ، وهان عليه فيه بذل الأموال ، وسهل عليه تحمل الأثقال . يرى أن كل ما بذل يسير إذا زال عنه العيش في الدنيا ، وصار إلى حال يطيل بها المقامة ، إما في هوان أو كرامة ، ورأى أنه لا بد له من النزول في إحدى الدارين ، إما دار بها الأغلال ، أو دار يجاور فيها ذا الإكرام والجلال . قلت : فما يبعث على الزهد فيما زهد اللّه فيه ؟ قال : خفة المؤنة ، والراحة من عظيم الكلفة ، لأنه إذا جل بالزهد حط الكريم عنه في الدنيا مؤنة الرحلة ، واستراح من تعب النقلة ، وحلت نفسه بالاطمئنانية . فلو لم ينظر صاحب الزهد إلى الدنيا إلا بالعتق من رقها ، واستبدال الشركاء أهل الظاهر ، لكان قد نجا من الفتن ، وزال عنه محل الندم ، فأخلى قلبه من اعتلاج الهم ، ومؤنة الشقاء ، وصار عتيقا ، واستراح من أن يسترقه العبيد ، وخف حمله ، وكثر حلمه ، وعاش في الدنيا حميدا ، وإن مات مات شهيدا . قد طهر قلبه من الدنيا ، واستراح من ضيق الرغبة ، فعلاه الوقار « 1 » ، وصار من الراحة إلى ما صار ، فمن علم عاقبة الزهد ، هان عليه في الابتداء مؤنة الشدة ، ومن خلع الهوى ، جانب عيش الدنيا إذا وزن الأشياء بمعيار العدل .

--> ( 1 ) الوقار : الرزانة والحلم والسكينة ، و - : العظمة .