الحارث المحاسبي
90
الرعاية لحقوق الله
وقال تعالى : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ . رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ . إلى قوله جلّ وعزّ : وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ « 1 » . وقرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذه الآية في جوف الليل فقال : « ويل لمن قرأ هذه الآية ثم مسح بها سبلته « 2 » فلم يتفكر فيها » وصلى وبكى عامة ليله ، فقيل له في ذلك ، فقال : « أنزلت عليّ هذه الآيات » « 3 » . فأخبر اللّه تعالى : أنهم لما تفكروا وتذكروا عظم عليهم خزي دخول النار ، فخافوا النار ، ثم ناجوه بأن يفكهم من النار ومن خزي يوم الحساب ، لأنهم لما رجوا النجاة بمنّته أقبلوا إليه بالتضرّع أن ينجيهم من خزي ذلك اليوم . فالذي ينال به الخوف معرفة عظيم قدر العذاب ، والذي يعظم به معرفة عظيم قدر العذاب التخويف ، والتخويف ينال بالفكر في المعاد ، والفكر ينال بالذكر ، والذكر بالتيقّظ من الغفلة ، لأن اللّه جلّ وعزّ إنما خوّفنا بالعقاب لنخوّف أنفسنا ، ورجّانا لنرجّيها ، والتخويف تكلّف من العبد بمنّة اللّه عزّ وجل وبفضله عليه ، والخوف هائج منه لا يملكه ، يكون عن التخويف يهيجه اللّه من القلب المخوّف لنفسه كما أمره اللّه ، وقد يخطر اللّه جل وعزّ الخوف بقلب
--> ( 1 ) آل عمران : 191 - 194 . ( 2 ) يقصد مجرى دموعه ، يقال : سبل الدمع يعني هطل . ( 3 ) الحديث عن عائشة صححه ابن حبان 2 / 386 ، 387 ( 620 ) ، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ص 190 ، 191 ، وأخرجه ابن مردويه ، وعبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا ، وابن أبي المنذر . ( انظر تفسير ابن كثير ، الآية 191 من آل عمران ، والدر المنثور 2 / 110 ، 111 ) .