الحارث المحاسبي
78
الرعاية لحقوق الله
باب منازل التوابين « 1 » اعلم أن الناس مختلفون في ذلك على ثلاث منازل ، لا رابع لها : فمنهم من نشأ على الخير لا صبوة له إلّا الزلة عند الشهوة ، كالزلة التي لم يعر من مثلها النبيون والصديقون ، ثم يرجع إلى قلب طاهر لم تعتوره الشهوات ، ولم يغتذ اللذات من الحرام ، ولم تعتقبه الذنوب ، ولم يعل قلبه الرّين ، ولم تغلب عليه القسوة . فرعاية حقوق اللّه عزّ وجلّ ، والقيام بها على هذا أسهل ، والمحنة عليه أخفّ ، ودواعي النفس له أقلّ وأضعف ، لأن قلبه طاهر ، واللّه عزّ وجلّ عليه مقبل ، وله محبّ ومتولّ ، والوليّ لا يخذل وليّه ، والحبيب لا يسلم إلى الهلكة حبيبه . وقد جاء في الحديث : « يعجب ربّك للشاب ليست له صبوة » « 2 » ، أي يسرّ به ويعظم قدره عنده ؛ لأن العجب على وجهين : أحدهما : المحبّة بتعظيم قدر الطاعة ، والسخط بتعظيم قدر الذنب في الجرأة . والوجه الثاني : الاستكثار للشئ ، وإنما يعجب استكثارا للشئ الجاهل
--> ( 1 ) في بعض النسخ : باب اختلاف الناس في طلب التقوى وفي رعاية الأعمال للّه تعالى ، الرعاية ما هي ؟ ( 2 ) الحديث عن عقبة بن عامر ، أخرجه أحمد 4 / 151 ، وابن المبارك في الزهد ( 349 ) ، وأبو يعلى 3 / 288 ( 1749 ) ، والطبراني في الكبير 17 / 309 ( 853 ) ، والقضاعي في مسند الشهاب 1 / 236 ( 576 ) ، وحسّن الهيثمي إسناده في المجمع 10 / 270 ، وهو كذلك ؛ لأنه وإن كان فيه ابن لهيعة ، فقد تابعه عمرو بن الحارث في رواية ابن المبارك ، واللّه أعلم .