الحارث المحاسبي

321

الرعاية لحقوق الله

ميمون بن مهران أنه رئى في السوق محلول الإزار ينادي : لا إله إلا اللّه . ألا ترى إلى قولهم : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً « 1 » ، قال : يقتدوا بنا . فأثنى بذلك عليهم لرغبتهم في أن يطاع اللّه بهم . وقال إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ « 2 » . وقال عزّ وجلّ : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ « 3 » . معناه : تركنا عليه الثناء الحسن . فكل الأمم ممن يؤمن بكتاب أو نبي يقول : إبراهيم منّا . وقد يفعل ذلك الرجل من العوام فيستهزأ به ، ويقال فيه القبيح ، ويرمي بالرياء والطلب للدنيا والجنون والحمق ؛ لأنه ليس بإمامهم ولا يضعونه في ذلك الموضع . وإنما يريد العبد القوي أن يحضّهم على طاعة ربّهم عزّ وجلّ وينبههم لها ، فإذا كان ، وإن قوى عزمه ، إنما يحضهم على المعصية فيه ، فكيف تصحّ له الإرادة فيهم ، ولا يرى فيهم موضع أمل أن يزدادوا بما يحدثهم عن عمله أو يظهر لهم من طاعة . فعلى العبد المريد أن يعرف ذلك ويضعه حيث وضعه اللّه عزّ وجلّ . وقد يحدث الرجل القوم عن نفسه فيضعونه على الرياء منه ؛ لأنهم لا يقتدون به ، فمن الناس من يقتدى به أهله ولو أمر جيرانه أو يظهر لهم خيرا ما اقتدوا به .

--> ( 1 ) الفرقان : 74 . ( 2 ) الشعراء : 84 . ( 3 ) الصافات : 78 .