الحارث المحاسبي

314

الرعاية لحقوق الله

تعرف نفسك بالخلق هكذا في أحوالك ؟ فإن كنت تعرف نفسك بهذا فقد وضعت الشفقة على حال في غير موضعها إذ صدك عن الطاعة سوء الظنّ ، ولم تستيقن منه بأمر تشفق عليه منه ، إلا أن يكون أمرا لا ينقصك من فرض ولا فضل ، فتدعه إشفاقا أن يدخل عليهم الشيطان ، إلا أنهم كذلك في وقت ما تشفق عليهم ، ولكن تقول : لا أعرّضهم لفتنة . ولم تدع لهم فضلا ولا فرضا فيكون العدو قد أصاب منك ما يريد . كما يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنها صفيّة » وذلك أنها أتته وهو معتكف ، فلما خرجت استقبلها رجلان من أصحابه ، فقال : « إنها صفية » فقالا : يا رسول اللّه وهل نظن بك إلا خيرا ؟ قال : « إني خشيت الشيطان أن يدخل عليكما » « 1 » ولم يقل قد دخل عليكما . وأراد إبراهيم والأعمش أن يمرّا في طريق ، فقال إبراهيم : يقولون أعمش وأعور . فقال الأعمش : ما علينا أن نؤجر ويأثمون ، فقال إبراهيم : وما علينا أن نسلم ويسلمون . فما لم تنقص من خير فلا بأس بالإشفاق عليهم ، على غير قطع عليهم بشره ، وأكثر ما يكون ذلك جزعا من الذمّ وسقوط المنزلة ، فلا يخدعنّ بذلك العبد العاقل اللبيب .

--> ( 1 ) الحديث عن أم المؤمنين صفية بنت حيي رضي اللّه عنها ، أخرجه البخاري في الاعتكاف 4 / 278 ( 2035 ) ، 282 ( 2038 ، 2039 ) ، وفي فرض الخمس 6 / 201 ( 3101 ) وفي بدء الخلق 6 / 236 ( 3281 ) ، وفي الأدب 10 / 598 ( 6219 ) ، وفي الأحكام 13 / 158 ، 159 ( 7171 ) ، ومسلم في السلام 4 / 1712 ( 2175 ) ، وأبو داود في الصوم 2 / 333 ( 2470 ، 2471 ) ، وفي الأدب 4 / 298 ، 299 ( 4994 ) ، وابن ماجة في الصيام 1 / 566 ( 1779 ) ، وأحمد 6 / 337 .