الحارث المحاسبي
305
الرعاية لحقوق الله
وسواس إبليس أن يعترض في صدورهم بعد إذ جعل اللّه عزّ وجلّ له السلطان بذلك ، ولا يغيروا خلقهم وطباعهم حتى تصير لا تنازع إلى معنى من زينة الدنيا من رياء ولا غيره ، حتى تكون طبائعهم الحمد فيها مكروه والذمّ فيها محبوب ، وإنما أمروا أن يستوي ذلك في دينونتهم من عقولهم بما استودعها اللّه عز وجل من العلم . فأما في الخلقة فإن ذلك لم يكلّفوه ، ولا يقدرون عليه ، ولكن قد يقوى العبد فتسكن دواعي النفس عن الدعاء في بعض ما يعمل ، ويعترض بالدعاء في بعض ما يخطر بضعف ، إلا أن الحمد والذمّ لا يستويان في طبعهما ، فإنما أمر العباد بمجاهدة أهوائهم ، ولم يؤمروا ألا يكون في النفس غريزة تدعوه إلى شهوة ، ولا أن يخرجوا وساوس الشيطان أن يعترض في صدورهم ، بل جعلت لهم غرائز عقولهم « 1 » ، ومنّ عليهم بالمعرفة والعلم قائمين في عقولهم ، وبلوا بغرائزهم وجعل الشيطان مهيجا للغرائز بالتذكير لها بما تحبّ ، وأمروا أن يجاهدوا بعقولهم - بما استودعها اللّه عز وجل من المعرفة والعلم - ما هاج من دواعي غرائزهم ، ونزغ الشيطان وتزيينه للنفس ما في غريزتها موافقا لها ، فليس على العباد غير ذلك ولا يقدرون إلا عليه . إلا أن بعضهم في ذلك أقوى من بعض ، وهم الذين أدمنوا المجاهدة حتى انكسرت النفس عن الدعاء من غير تغير الطبع ، وقد تخطر أقل مما كانت تخطر به من قبل مع ضعف من الخطرة عما كان في أول بدايتهم ، فعلى العبد المجاهدة والنهي لنفسه عن هواها « 2 » ، ولم يكلف تغيير طبعه حتى ينقلب فيجعله
--> ( 1 ) هذا يعني أن المحاسبي يعتبر العقل غريزة من الغرائز . ( 2 ) كما جاء في قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] .