الحارث المحاسبي
284
الرعاية لحقوق الله
أيضا إذا ستر اللّه عز وجل عليه القبيح وأظهر الجميل : رجاء أن يكون هذا دليلا على ستر الآخرة ، لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ستر اللّه عز وجلّ على عبد في الدنيا إلا وستر عليه في الآخرة » « 1 » . ويسرّ أيضا باطلاعهم وتعظيمهم الطاعة ، ورجاء أن يقتدوا به فيعلموا مثل ذلك العمل . ويسرّ أيضا باطلاعهم لنفسه ليحمدوه لطاعته للّه عز وجل ويبجّلوه ويعظموه ويفضلوه ويبروه ويصلوه وهذه الخلّة المكروهة . قلت : فهل يفسد ذلك عمله الماضي الذي قد فرغ منه ، وإنما يسرّ به بعد العمل ؟ قال : لا ، وقد ذهب العمل خالصا ولم يراء به ، ولم يظهره على عمد ، ولم يحدث به ، ولم يتمنّ أن يظهروا عليه ، وهذه المحبّة منه لحمدهم نقص منه ، ومحبّة للمنزلة عندهم بطاعة اللّه عزّ وجلّ ، وذلك عقد المرائي أن يحمد ، فذلك نقص منه وذمّ عند اللّه عزّ وجلّ . ولا يحبط العمل إن شاء اللّه إذا لم يراء به ، ولم يتمنّ اطلاع العباد عليه ، ولم يظهره لهم ، ولم يحدّث به العباد . وقد ينبغي له أيضا أن يكون خائفا على عمله الماضي أن يكون قد خالط قلبه من الرياء ما لم يفطن له ؛ لغلبة الهوى ، فخاف ذلك لما رأى من محبّة نفسه لحمدهم ، ويرجع إليها فيقول : لولا أن للرياء في قلبك أصلا لما هاج حين اطلعوا ، ويرجو ألا يكون خالطه رياء يحبط عمله ، فيكون يأمل من اللّه عزّ وجلّ أن يكون تقبّله منه ، ويكون خائفا لما رأى نفسه تحبّ حمدهم عند
--> ( 1 ) الحديث عن أبي هريرة ، أخرجه مسلم في البر والصلة 4 / 2002 ( 2590 ) ، وهو جزء من حديث عائشة عند أحمد 6 / 145 ، 160 .