الحارث المحاسبي

24

الرعاية لحقوق الله

أما الذين خاضوا في علم الكلام فقد كانت حملة أهل الحديث عليهم أشد وأشنع ، وخصوصا بعد أن حدثت فتنة خلق القرآن التي كان لمتكلمى المعتزلة فيها يد طولى ، وقد بلغ إنكارهم لعلم الكلام وأهله مبلغا كبيرا ، حتى إن الشافعي ( ت 204 ) - شيخ أحمد بن حنبل - يقول : « ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح » « 1 » ويقول : « لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشئ من الكلام » « 2 » ويقول : « حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ، ويحملوا على الإبل منّكسين ، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ، ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام » « 3 » . وأما الإمام أحمد فنهى عن مجالستهم وإن دافعوا عن السنة ، فقال : « لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة » « 4 » . ولما كان التصوف في هذه الفترة قد بدأ يأخذ شكلا جديدا بالتعمق والتدقيق في خطرات النفس ، وفي المحاسبة الشديدة للنفس وأخذها بالشدة على نحو غير مسبوق ، فإن علماء الحديث ، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل قد توقفوا في قبول ذلك ، واعتبروه بدعة لم يسبق إليها الصحابة والتابعون ، فقد روى ابن الجوزي بإسناده عن أبي يعقوب إسحاق بن حبة الأعمش قال : سمعت أحمد ابن حنبل سئل عن الوساوس والخطرات فقال : « ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون » « 5 » . قال الحافظ ابن رجب الحنبلي : « وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على

--> ( 1 ) حلية الأولياء 9 / 111 . ( 2 ) السابق ، والمجموع للنووي 1 / 48 . ( 3 ) حلية الأولياء 9 / 116 . ( 4 ) مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص 156 . ( 5 ) مناقب الإمام أحمد ص 176 .