الحارث المحاسبي

240

الرعاية لحقوق الله

بالركون إلى الرياء ؛ فإذا ألزم الاهتمام والحذر قلبه يقّظاه ، فإذا تيقّظ ذكر ، فإذا ذكر عرف . ومثل ذلك مثل اللص يأتي منزل الرجل ليلا وهو نائم ، فإن استيقظ فعلم به ومعه عدّة لقتاله زجره ، فإن أبى شدّ عليه فهرب منه ولم يأخذ من بيته شيئا ، وإن لم يستيقظ حربه « 1 » وهو لا يشعر . فكذلك العاقل ؛ إذا لم يتيقظ . قلت : فبم عزبت الكراهية بعد المعرفة ؟ وبم تنال ؟ قال : عزبت لأن خاطر الرياء إذا عرض في القلب هاجت سورة شهوة النفس للحمد والثناء والنّيل من العاجل ، فغلبت حلاوة ذلك على القلب ، فزالت الكراهة ولم تستقرّ مع حلاوة الشهوة ، فالذي يطفئ ذلك ويهيج الكراهة والإباء إذا سارت الفرحة من قبل الطبع ، إذا عقل العبد اللبيب فكرة من عقله في يوم المعاد ، وذكر حبط عمله وحاجته يوم فقره وفاقته إلى صافي الحسنات ، وأنه لا يقبل إلا ما خلص وصفا من العمل ، وخوّف نفسه مقت اللّه عز وجل في ساعته تلك أن يطلع على ضميره ، وقد قبل ما يكره ربّه عز وجل به فيمقته ، وخوّف ما يورث قلبه قبول خطرة الرياء من الرين والقسوة ؛ فإذا هاج الفكر بالخوف في عقوبة اللّه عز وجل ، في عاجل الدنيا وآجل الآخرة ، إن قبل تلك الخطرة هاجت مرارة العقوبة بالذكر على ما سار في القلب من هيجان الشهوة ، فكان بعقله آبيا كارها ، وعلى هواه وعدّوه رادا ، فعند ذلك تخلص عمله . قلت : أكلّ العباد يردّ بهذه المجاهدة والمكابدة والتكلف ؟

--> ( 1 ) حربه : سلب ماله .