الحارث المحاسبي

21

الرعاية لحقوق الله

فاتهمهم بالبعد عن العباد والانشغال بذوات أنفسهم « 1 » . وأثبت بسيرته أن صحبته الناس لا تنافى الانشغال بالله ، فعندما قال له الجنيد : « تخوجنى من عزلتى وأمنى على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات وعزلتى أنسى » . قال : « كم تقول عزلتى أنسى . لو أن نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم أنسا ، ولو أن نصفهم الآخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم » « 2 » . ونعى على أولئك الصوفية الذين قعدوا عن الكسب بحجة عدم وجود الحلال ، فوصفهم بالجهل والغفلة في كتابه « المكاسب » وجعل العطف على أهل الضعف الفرض الثاني في الإسلام بعد معرفة الله فقال : « أفضل العبادة العلم بالله عز وجل والتعظيم له . . . فإذا انتظمت هذه الخصال ، فإن أفضل الأعمال العطف على أهل الضعف ، وقد سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلم أي الأعمال أفضل ؟ فقال : « أن تغيث ملهوفا أو تنصر أخا لك » . وقال : « الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله » فأفضل الأعمال إدخال المرافق في الدين ، والعطف على المساكين وهي صفة النبيين ، وصالح المؤمنين . . . فقد كان أفضل عبادة صدر هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ، ثم كان أفضل الأشياء بعد هذا إرفاق بعضهم بعضا ، إما بفرض أو بقرض ، والإيثار على أنفسهم وقد حلت بهم الخصاصة ، وأفضل الخلق من الناس رجل قصر نفسه على العلم ، وآخر بذل نفسه لمؤونة الناس . . . فعلى العالم إيثاره أصحابه على نفسه ، وليس يجمل به أن يكتسى وهم يعرون ، ويشبع وهم يجوعون ، وعليه أن يتعاهد من

--> ( 1 ) الرسالة 2 / 495 . ( 2 ) حلية الأولياء 10 / 740 ، وتاريخ بغداد 8 / 213 .