الحارث المحاسبي

221

الرعاية لحقوق الله

والإعظام ، والهيبة والتوسعة له في المجلس ، والتكرمة له بتشريفه وقبول الشهادة ، وتصديق الحديث وحسن الظنّ به ، حتى قد يوجّه الذنب منه إلى الخير ، فكيف بالخير إذا كان منه ؟ وقبول أمره والانتهاء عما نهى عنه ، والرئاسة واستماع الثناء الحسن الذي يلتذ به السمع وتستريح إليه النفس . فهذه معرفة ما ينال من حمد العباد . وأما الطمع فمعرفته : بأن من بره الناس بما يظهر من طاعة ربّه أنه يوصل بالأموال ويهدى إليه الهدايا ، وتقضى به الحوائج ويسارع إلى إقراضه المال ، ويوسع عليه في طلب الدين وما أشبه ذلك . قلت : فخوف المذمّة . قال : أما خوف المذمة فمعرفته أن من ذمه الناس يكذّب صدقه ، ويساء به الظنّ في الخير ، فكيف في الشرّ ؟ تردّ عليه شهادته ، ويردّ عليه قوله ، ويقصى مجلسه ، ويعرض عنه ، ويحفى « 1 » في السلام ، ويردّ بغير قضاء حاجة ، ويستحى من صحبته ، والتحذير منه إن أشير في أمره في خطبة أو شهادة ، ولا يؤمن على مال ولا حرمة ، وربّما وضع عليه ذنب غيره ويحمل عليه لغيره ، وربما كان مظلوما ، فلما عرف عظيم قدر هذه الخلال في الخير : في الطمع والحمد ، وفي الضرر : في الذم ، اعتقد حبّ حمدهم وخوف مذمتهم ، والطمع لما في أيديهم ، فورّثته المعرفة بذلك الرغبة وغلبت على قلبه ، فهاج دواعي هذه الثلاث الخلال إلى الرياء ، واعترض العدوّ بالدعاء بالرياء بالعمل والعلم ، لما عرف من عظيم رغبته فيهنّ . * * *

--> ( 1 ) يحفى في السلام : أي يمنع منه ، أو يتردد الناس في السلام عليه ، وأحفى من الأضداد ، يستعمل بمنع الإعطاء والمنع ، وبمعنى الإلحاح والتردد .