الحارث المحاسبي

199

الرعاية لحقوق الله

باب في صفة الرياء وذكره قلت : قد وصفت لي مراقبة اللّه عزّ وجلّ وذكره والرعاية لحقوق اللّه عزّ وجلّ ووجوه طلبها ، والأول من الواجب والفضل ، فما تخاف عليّ إن قمت لذلك ؟ قال : أخاف عليك أن تفسده بما يبطل ثوابه في آخرته ويذهب بحلاوته من قلبك . قلت : ذلك أعظم للحسرة ، أن أتعنّى « 1 » ثم يحبط ويبطل عملي ، وما ذاك المعنى ؟ قال : فإن المتقي الراعي لحقوق اللّه عزّ وجلّ ، القائم بها يبدل أحواله حتى يظهر للخلق ، فيظهر منه الصمت بعد طول الخوض فيما لا يعنيه ولا يحل له ، وتظهر منه المجانبة لمن كان يعصي اللّه عزّ وجلّ معه ، ويظهر منه الأنس لمن يسلم معه ، ومن يستفيد منه الخير ، ويظهر منه الكلام فيما يجب للّه عز وجل عليه ، ويتقرب به إليه ، وتسكت جوارحه ويخشع طرفه ، وتعلوه السكينة والوقار ، فتظهر منه الطاعات ، فعند ذلك تعلم النفس أن ما ظهر منها لعباد اللّه عزّ وجلّ ، لن يمتنعوا أن يحمدوا فعله ويعظّموه بذلك ، ويروا له الفضل والقدر ، وتعلم النفس أن ما بطن منه وأسرّه لو ظهر لحمد ذلك منه وفضّل به ، فتطلب النفس الراحة إلى التزيّن بالدين بما ظهر وبما أسرّ أن يكون محمودا معظما ، ليكون

--> ( 1 ) من المعاناة ، وهي المقاساة .