الحارث المحاسبي

163

الرعاية لحقوق الله

غافلة عاصية ، لا تتمنّى لقاء اللّه عزّ وجلّ ، ولا تحبّه ، إلا على الخير الصافي الذي ترجو أن ينجيها من عذاب اللّه عز وجلّ ويدخلها جنّته ، لأنه لا هوى لها عند الموت في الدنيا ، إنما هواها في الدنيا ما دامت حيّة ، فإن وجد نفسه تجزع أن يأتيها الموت وهي عاملة بأحدهما ولا تجزع أن يأتيها عند الآخر ، فلينظر : لم جزعت ؟ فإنه لا يكاد يخفى عليه حينئذ إذا ردّ عليها فقال : لم خفّ عليك الموت عندها وجزعت من نزوله ، وأنت بهذا عاملة ؟ فإنها ، إن شاء اللّه سترجع إليه ، فتقول : لكذا وكذا فليأت حينئذ الذي لا يكره الموت من أجله . ألم تسمع قوله عزّ وجل : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ « 1 » . فقال اللّه عزّ وجلّ : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 2 » . أي من كان منكم على أمر يثق به لم يبال أن يأتيه الموت وهو عليه ، فقال عزّ وجل : إن كنتم أوليائي فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . ثم قال جلّ ثناؤه : وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ « 3 » . أي لما عرفوا مما عندهم مما لا يرضى اللّه عز وجل به ، وما أسلفوه من الذنوب غير تائبين منه ، فهم عليه بعد . وقال ابن عباس : لو تمنّوا الموت لماتوا « 4 » .

--> ( 1 ) المائدة : 18 . ( 2 ) البقرة : 94 . ( 3 ) الجمعة : 95 . ( 4 ) جزء من حديث رواه ابن عباس مرفوعا ، أخرجه أحمد 1 / 248 ، وأبو يعلى 4 / 472 ( 2604 ) ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع 8 / 228 وانظر الآثار في الآية في الدر المنثور 1 / 89 .