الحارث المحاسبي
161
الرعاية لحقوق الله
باب في الأمرين من أمور اللّه تعالى يعرضان بأيهما يبدأ ؟ قلت : أجمل لي في علل ذلك كله جملة مختصرة لأفهمه . قال : إذا عرض له أمر مما أمر اللّه عزّ وجلّ به أو ندب إليه نظر في ذلك ، حتى يؤديه كما أحبّ اللّه عز وجل وأوجب ، فإذا عرض لك أمران واجبان فابدأ بأوجبهما ، وإن عرض له واجبان لأحدهما وقت يفوت ، والآخر لا يفوت وقته ، بدأ بما يفوت وقته ، فيقدّم ما قدّم اللّه ويؤخر ما أخر اللّه عزّ وجلّ ؛ وإن كان في فرض فعرض دونه لم يخرج إليه ؛ فيكون عاصيا بتركه ما أوجب اللّه عزّ وجلّ عليه بعدما دخل فيه ؛ وإن عرض له فرض أوجب مما هو فيه قطعة ولا يمكث فيما هو دخل فيه ، فيكون عاصيا للّه ، ثم كما كتبت لك بابا بابا ، وكذلك لا يدع الفرض للنافلة ، وكذلك يعمل في النافلة الأفضل فالأفضل على ما كتبت لك . قلت : فإن عرض أمران واجبان أو فضلان ، فلم يتبيّن أيهما أوجب أو أفضل ؟ قال : ينظر أيهما أخفّ على قلبه ، فإن كان أخفّ من قبل الهوى أتى الذي ثقل ، لأنه لا يؤمن عليه أن يعمل الذي خفّ عليه لهوى نفسه لا لربّه عزّ وجلّ ؛ وإن كان أخف عليه لأنه أسلم أو القلب فيه أزيد عملا - وما أقل ذلك إلّا من قلوب الصادقين الأقوياء - أتى الذي هو أخف ؛ لأنه لأن يعبد اللّه عزّ وجلّ بنشاط الطاعة ، أفضل من أن يعبده بكراهة ومكابدة ، ولا يؤمن عليه