الحارث المحاسبي

13

الرعاية لحقوق الله

فقيض لي الرؤوف بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى ، وأعلام الورع ، وإيثار الآخرة على الدنيا . ووجدت إرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل أئمة الهدى ، ووجدتهم مجتمعين على نصح الأمة لا يرجّون أحدا في معصيته ، ولا يقنطون أحدا من رحمته . يرضون أبدا بالصبر على البأساء والضراء ، والرضا بالقضاء ، والشكر على النعماء يحببون الله تعالى إلى العباد ، بذكرهم أياديه وإحسانه ، ويحثون العباد على الإنابة إلى الله تعالى : علماء بعظمة الله تعالى ، وعظيم قدرته ، وعلماء بكتابه وسنته ، فقهاء في دينه ، علماء بما يحب ويكره ، ورعين عن البدع والأهواء ، تاركين التعميق والإغلاء ، مبغضين للجدال والمراء ، متورعين عن الاغتياب والظلم والأذى ، مخالفين لأهوائهم ، محاسبين لأنفسهم ، مالكين لجوارحهم ، ورعين في مطاعمهم وملابسهم ، وجميع أحوالهم ، مجانبين للشبهات ، تاركين للشهوات ، مجتزئين بالبلغة من الأقوات ، متقللين من المباح ، زاهدين في الحلال ، مشفقين من الحساب ، وجلين من المعاد ، مشغولين بشأنهم ، مؤثرين على أنفسهم من دون غيرهم ، لكل امرئ منهم شأن يغنيه . علماء بأمر الآخرة وأهاويل القيامة وجزيل الثواب ، وأليم العقاب . ذلك أورثهم الحزن الدائم ، والهم المضنى ، فشغلوا عن سرور الدنيا ونعيمها . ولقد وصفوا للآداب صفات ، وحددوا للورع حدودا ، ضاق لها صدري ، وعلمت أن آداب الدين وصدق الورع بحر لا ينجو من الغرق فيه شبهي ، ولا يقوم بحدوده مثلي ، فتبين لي فضلهم واتضح لي نصحهم ، وأيقنت أنهم