الحارث المحاسبي
111
الرعاية لحقوق الله
قد يترك للّه جلّ وعزّ ما تشتهي نفسه ، ثم ترده إلى معاودتها رغبته فيها ، ألم تسمع قول وهب : طوبى لمن لم تغلبه شهوته ، ولم ترده رغبته ! والثانية : أن يكون ذنب قد مضى من عمره ستره الهوى والشهوة في حال توبته ، فيعرفه فيما يستقبل فيعطى الندم عليه والعزم ألا يعود فيه ، فيحذر أن تعود النفس إلى عادتها ، ومطالبة هواها ولذتها في وقت غفلته ، وليس عنده معرفة به ، فيركن إليها ؛ فإنما يرتقب متى تعرض نفسه ، بالطلب لعادتها ، فيعرفه إذا كان ذاكرا مثبتا . والثالثة : أن يعرض له ذنب لم يكن فيما مضى من عمره ، لأن النفس إذا منعت أبوابا من الشهوات طلبت شهوات أخر تستريح إليها ، عوضا مما فطمت عنه من الشهوات واللذات . والرابعة : حقّ اللّه عزّ وجلّ ، مما أوجب العمل به ، قد كان مضيّعا له فأعطاه العزم أن يقوم للّه تعالى به ، فيحذر أن يضيعه فيما يستقبل من عمره ، لاستقبال مكروه من تعب ، أو مشغل عن راحة الدنيا ، أو واضع من قدره عند المخلوقين ، كطلب الحلال وغيره ، أو استدلال منهم له ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقيام بحقوق اللّه عزّ وجلّ ، فيما يخالف أهواء العباد . والخامسة : أن يكون حقّا للّه عزّ وجلّ ، قد ضيعه فيما مضى من عمره ، سترته كراهية النفس للقيام به ، وهواها للراحة في تركه ، فلم يعرفه في حال توبته ، فيحذر أن تعود النفس إلى عادتها من تضييع حق ربها ، فيقدّم الحذر ليفطن له إن عرض . والسادسة : أن يبتلى ويمتحن بحقّ لم يبتل به من قبل ، ولم يجب عليه ، كالعيال وغيرهم ، فيضيّع ما وجب عليه من ذلك ، فيكون في ذلك سخط ربّه جلّ وعزّ .