الحارث المحاسبي
107
الرعاية لحقوق الله
ذلك للعدوّ وللنفس خدع يريانه أنه إنما ينال القيام بما عزم عليه بعقله وقوّته ، وأنه بعد عزمه لن يغلب ، وينسى التوكّل على ربّه جل وعز ، فلا يؤمن عليه من ذلك الخذلان « 1 » . ومن ذلك حديث سليمان عليه السلام ، أنه لم يعط ما أراد بقصد عزمه ، إذ أغفل التوكّل على ربه عزّ وجلّ ، بتركه الاستثناء ، كما قال المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ، وكما أنزل اللّه على النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعاتب أصحابه في يوم حنين ، حين قال منهم من قال : لن نغلب اليوم من قلّة ، فأنزل تبارك وتعالى في ذلك يعاتبهم - وهم خير عصابة على الأرض ، بل لا عصابة تعبد اللّه غيرهم ومن تبعهم ، غضاب للّه ، ينصرون دين اللّه ، مستجمعون لقتال أعداء اللّه - بما أغفلوا التوكّل عليه ، فقال جلّ وعزّ : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الآية « 2 » . والأحاديث كثيرة في ذلك . معرفة الرجوع إلى اللّه والتوكل عليه : فإن كان عبدا عاقلا رجع حينئذ إلى ضعف نفسه ، وإلى ذكر قوة ربه ، فرغب إليه في المعونة من عنده على أداء حقوقه ورعايتها ، وناجاه بقلب راغب راهب : إني أنسى إن لم تذكرني ، وأعجز وأضعف إن لم تقوّني ، وأجزع إن لم تصبّرني . وإن لم يناج ربّه بذلك كان ذلك عقده في طلب المعونة ؛ فعزم وتوكّل
--> ( 1 ) في مثل ذلك يقول ابن الجوزي رحمه اللّه في صيد الخاطر ص 48 الخاطرة رقم ( 5 ) : « من ادعى الصبر وكل إلى نفسه » . ( 2 ) التوبة : 25 . والقصة رواها الربيع بن أنس مرسلة ، أخرجها البيهقي في دلائل النبوة 5 / 123 ، 124 ، ورواها أنس فيما أخرجه البزار 2 / 346 ( 1827 ) وقال الهيثمي في المجمع 6 / 179 : « فيه علي بن عاصم بن صهيب وهو ضعيف لكثرة غلطه ، وتماديه فيه ، وقد وثقه ، وبقية رجاله ثقات » .