الأمير الحسين بن بدر الدين

83

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

يقال لهم : أين كان اللّه قبل خلق العرش ؟ وأين كان قبل خلق السماء ؟ وأين كان قبل خلق الأماكن ؟ فإنّا قد دللنا على قدمه تعالى وحدوث الأماكن ، وأين يكون تعالى بعد فناء الأماكن ؟ فإنه لا بدّ من فناء كل شيء ، لقوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] أي إلا ذاته ، فأين يكون بعد فناء الأماكن ؟ وكلّ ذلك يبطل احتياجه إلى الأماكن ، أو يوجب قدم الأماكن ، وأنّها لا تفنى . وقد دللنا على حدوثها وفنائها ، فلم يبق إلا أنه تعالى غير محتاج إليها ، فبطل بذلك قولهم . فصل : في إيراد طرف مما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في إبطال القول بأنه تعالى جسم وطرف مما روي عن الصحابة ( رض ) . عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال : جاءت اليهود إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالوا : صف لنا ربّك ، فسكت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تعجّبا مما سألوه وانتظارا لأمر اللّه فيهم ، فقالوا : كنّا نصف من تعظيم ربنا أنّ اللّه تعالى يضع السماوات يوم القيامة على إصبع ، والبحار على إصبع ، وسائر الأشياء على إصبع ، ويده الأخرى فارغة . فأنزل اللّه تعالى قبل أن يقوموا تكذيبا لهم وردّا عليهم ، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الزمر : 67 ] « 1 » أي ما

--> ( 1 ) البخاري رقم 4533 ، ولفظه : جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال : يا محمد إنا نجد أنّ اللّه يجعل السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، وسائر الخلائق على إصبع ، فيقول : أنا الملك ، فضحك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتى بدت نواجذه ، تصديقا لقول الحبر ، ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . الآية . ومسلم رقم 2786 بزيادة : ثم يهزهن . وفي الطبري مج 12 ج 24 ص 33 ساق عدة روايات ، وكل ما روي في هذا يؤكد بأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ضحك تصديقا له . والدر المنثور 5 / 627 ؛ لكن مؤلف الينابيع يرى أن ضحك النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تعجبا وتكذيبا ؛ لأن اللّه ليس له إصبع ، قال ابن حجر في فتح الباري 13 / 398 : وأما من زاد « وتصديقا له » فليست بشيء ، فإنها من قول الراوي وهي باطلة ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يصدق المحال ، وهذه الأوصاف في حق اللّه محال . غير أن الأحاديث يمكن تأويل الإصبع فيها بالقوة والقدرة وسهولة سيطرة اللّه على المخلوقات العظام .