الأمير الحسين بن بدر الدين

80

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] قالوا : « 1 » فهذا يوجب كونه في مكان « 2 » . والجواب أنه يريد به الرفعة والمنزلة العالية ، كما يقال : فلان عندي بالمنزلة الخطيرة ، ولفلان عندي جاه عريض ، وهو عندي بالمنزل الأعلى والدرجة العالية . ويدل على ذلك قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ السجدة : 12 ] ، ولا خلاف بين الأمة أنّ المجرمين لا يكونون عند اللّه على جهة المكان ، وإنما هو وصف أحوالهم . وكذلك قوله تعالى : وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ الزخرف : 85 ] فإنه ليس المراد به « 3 » أنّ علم الساعة في مكان ، وإنما أراد أنّه عالم به . وكذلك قوله تعالى : فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ النساء : 134 ] ليس يريد به إلا أنّه القادر عليه ، المالك له . ويقال : عند الهادي إلى الحق عليه السّلام في المسألة كذا ، وعند القاسم عليه السّلام فيها كذا . أي مذهبهما « 4 » . قال الشاعر « 5 » :

--> ( 1 ) في ( ب ) فقالوا : هذا . ( 2 ) قال الحاكم الجشمي في هذه الآية كما في منهجه في التفسير للدكتور عدنان زرزور ص 292 : أي موضوع قعود صدق ، قيل : مجلس حق لا لغو فيه ، وهو الجنة . وقيل : وصف المكان بالصدق ؛ لكونه يدوم وغيره يزول . ومعنى عِنْدَ مَلِيكٍ : أي في علم اللّه صائرون إلى ذلك الموضع ، كما قال أبو علي . وقيل : ذلك المقعد مقعد صدق عنده ؛ لما هو عليه من دوام النعم . وقال الحاكم : وقد فسرت المشبهة الكاذبة على اللّه هذه الآية بتفسير لا يشهد له ظاهرها ولا لهم عليه دليل في العقل والشرع ، فذكروا في قوله : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ : إنهم يحيون مع الجبار ، وأنه يقعدهم معه على سريره ، ويروون أن أهل الجنة يدخلون عليه كل يوم مرتين يقرءون عليه القرآن ثم ينصرفون إلى رحالهم ناعمين . . إلى غير ذلك من الصورة والأعضاء والذهاب والمجيء ، وأنه يحتجب أحيانا ويظهر أحيانا بصورة ملك ، تعالى اللّه عن ذلك . وقد بينا أنه ليس بجسم وأنه لا يجوز عليه المكان ولا شيء من صفات الأجسام . ( 3 ) في ( ب ) بحذف به . ( 4 ) في ( ب ) : أي في مذهبهما . ( 5 ) هو قيس بن الخطيم ، أحد شعراء الجاهلية .