الأمير الحسين بن بدر الدين

59

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

وتصبروا « 1 » ، وبين أن يقول : ولمّا يعلم اللّه منكم الجهاد والصبر ، بل هما سواء ، لأنّ علم اللّه تعالى بالجهاد هاهنا عبارة عن حدوث الجهاد ، وعلم اللّه بالصبر عبارة عن حدوث الصبر نفسه ؛ فمعنى حصول علمه بهما هو حصولهما ؛ لأنهما لا يحصلان إذا حصلا إلا بعلم اللّه ، فسواء قولك : يكون كذا إن علم اللّه منك الجهاد والصبر ، وقولك : إن جاهدت وصبرت . وكذلك قوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ [ البقرة : 143 ] ، معناه ليتميز المتّبع من المنقلب ؛ لأنه إذا اتبع هذا وانقلب هذا علمه اللّه كائنا ، وإن كان قبل ذلك عالما بما سيكون من ذلك ؛ لا أنه لا يعلم كون هذا متّبعا وهذا منقلبا إلا بعد وجود الاتباع والانقلاب منهما ، فسقط تعلّق المخالف بذلك في حدوث العلم ، وصح ووضح أنه إنما علّقه به إخبارا عن حدوث الفعل المعلّق به العلم . وكذلك قوله تعالى : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ [ سبأ : 21 ] ، يجب حمله على هذا المعنى فقط ، من حيث إنّ كون « 2 » سلطانه عليهم لا يقتضي علمه بالمؤمن والكافر ؛ لأنه ليس بسبب له ولا بعلة موجبة « 3 » ، وإنما يقتضي ذلك من حيث ما ذكرناه « 4 » ، وهو أنّ بدعوته إياهم يتميّز المؤمن من الكافر ، والمخلص من المرتاب ، فيعلم اللّه المؤمن حاصلا منه الإيمان والكافر حاصلا منه الكفر ، وإن كان عالما قبل ذلك بما يكون منهما ،

--> ( 1 ) في الأصل تجاهد وتصبر وهو مخالف للسياق ، ولذلك آثرنا اعتماد نسخة ( ب ) ، بإثبات وأو الجماعة . ( 2 ) في ( ب ) : أن يكون . ( 3 ) في ( ب ) : توجبه . ( 4 ) في ( ب ) و ( ج ) و ( د ) من حيث ذكرناه .