الأمير الحسين بن بدر الدين
512
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
الذين تابوا وماتوا على التوبة ، ولمن استوت حسناته وسيئآته فيبقى غير مستحقّ للثواب ولا للعقاب ؛ فيشفع له ؛ ليرقى درجة أعلا من درجات الصبيان والمجانين ، ويرفع إلى منزلة عالية لم يكن لينالها إلا بالشفاعة . فأما العصاة المصرّون على معاصيهم حتى يأتيهم الموت على غير توبة فلا شفاعة لهم ، وتصديق ذلك قول اللّه سبحانه : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] . ومعلوم أنّ من مات مصرّا على الكبائر فإنه غير مرتضى عند اللّه تعالى ، وقوله تعالى : ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] ، والمصرّ على الكبيرة حتى مات عليها ظالم لنفسه ، قال تعالى : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : 1 ] ، وقوله عز وجل : وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [ البقرة : 270 ] ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من كذّب بالشفاعة لم ينلها يوم القيامة » « 1 » . وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رجال من أمتي لا تنالهم شفاعتي : ذو سلطان ظلوم غشوم ، ومارق من الدين خارج منه » « 2 » ، فأما ما يحتجّ به المخالفون من قولهم ، في رواياتهم عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 3 » ، فهو
--> ( 1 ) شمس الأخبار 2 / 388 . ( 2 ) شمس الأخبار 2 / 387 . والشافي 3 / 263 . ( 3 ) والحديث الذي روي « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » مكذوب . وقد جزم بذلك الذهبي في ميزانه [ 1 / 466 ] حيث قال في ترجمة صديق بن سعيد الصّوناخي التركي عن محمد بن بصير المروزي عن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » هذا لم يروه هؤلاء قط ، لكن رواه عن صديق من يجهل حاله : أحمد بن عبد اللّه السرسي فما أدري من وضعه . رقم الترجمة 3828 . ومع حكم الذهبي بوضعه ، ودلالة الحديث بمتنه وسنده على عدم صحته ؛ فقد ورد في كتب الحديث المشهورة كالترمذي 4 / 539 . وأحمد بن حنبل 4 / 13221 . وسنن أبي داود 5 / 106 رقم 4739 . والحاكم في المستدرك 2 / 382 ، وقال : هذا حديث صحيح وعلى شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وقد خرجه غيره بنفس اللفظ ، وألفاظ أخرى متعددة .