الأمير الحسين بن بدر الدين
494
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
من المواشي السائمة ، والمراعي الوسيعة ، والبساتين الحسنة الكثيرة ، والخلع والملابس الحسنة ، والزرائع الجيدة على الأنهار الجارية الدائمة ، وجعل له الخدم ، وخوّله النعم ، ومكّنه من كل ما يمكن « 1 » الإشارة إليه من نعم الدنيا ، ثم إن أحدهما عصى مولاه في كل وجه من الوجوه ، فقال الملك للثاني : إن هذا قد عصاني ، وخرج عن أمري ، وكفر نعمتي ، وأنا أحب منك أن تهجره وتقليه ، وتبعده وتقصيه ، فإن فعلت ذلك خوّلتك نعما أكثر من نعمك هذه بألفي ألف ألف ضعف ، فعند ذلك بادر هذا العبد إلى تقريب العبد العاصي ، وإتحافه وإنصافه ، والإنعام عليه بالأموال الجليلة والنعم الكثيرة معاندة لمولاه ، واتباعا لهواه ، مع استمراره على الالتزام بأوامر سيده كلها ، إلا ما كان منه من موالاته لمن عصى مولاه ، وخروجه في ذلك عن رضاه - ما حكم هذين العبدين عند أولي الأحلام والنّهى ؟ ! أليس يشهد جميع العقلاء بأنهما كافران لنعم سيدهما التي ذكرناها ، وأياديه التي وصفناها ، وأن حكمهما قد صار واحدا عند العارفين ، فإذا كان يستقبح من هذا العبد موالاة عدو مولاه الذي أنعم عليه من النعم بما ذكرناه - وإنما قبح ذلك لكونه كفرا لنعمة مولاه - فكيف بنعم اللّه تعالى ؟ إذ كل النّعم من جهته ، قال « 2 » تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] ولا سواء ؛ فإن نعم اللّه تعالى تمطر على عبيده كلهم ، في كل حركة وسكون ، وجدّ ومجون ، ولا تفارقهم في حال معصية يرتكبونها ، ولا في حال طاعة يفعلونها ، بل لا يقدر العبد على معصية اللّه إلا بنعمة اللّه ، ولا يقدر على القيام بما يلزمه من شكر اللّه إلا بنعمة اللّه ، فإنه لولا تعريفه للعبد كيفية
--> ( 1 ) في ( ب ) : تمكن ويمكن بالتاء والياء . ( 2 ) في ( ب ) : قال اللّه .