الأمير الحسين بن بدر الدين
393
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
وقد فسقا بخروجهما يوم الجمل « 1 » علي أمير المؤمنين عليه السّلام ، ونكثهما بيعته ، سواء قيل : إنهما تابا أم لا « 2 » . فثبت ما ذكرناه أنّ الخبر إن صح فإنه إخبار عن الحال فقط لا عن المآل « 3 » . ولنقتصر على هذا القدر من احتجاجاتهم الواهية ،
--> ( 1 ) معركة الجمل وقعت بسبب أن طلحة والزبير نكثا بيعة علي ، وذهبا إلى مكة فأخذا عائشة وفلول بني أمية والمنحرفين عن علي وتوجهوا إلى العراق ونزلوا بالبصرة ، وأحدثوا أحداثا ؛ فتوجّه علي واستنفر أهل الكوفة ، وطلب مقابلة الزبير وذكّره حديثا مفاده أنّ عليا دخل المسجد والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جالس ومعه الزبير فقام الزبير فاعتنقه فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أتحبه يا زبير ؟ فقال : كيف لا وهو ابن خالي ؟ فقال : أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم . فقال الزبير : ذكرتني ما أنسانيه الدهر . فرجع نادما . فقتله ابن جرموز غدرا بوادي السباع . وجاء برأسه إلى علي ( ع ) فهز علي سيف الزبير وعيناه تدمعان وقال : سيف طالما جلى الكرب عن وجه رسول اللّه فقال ابن جرموز : الجائزة . فقال علي : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : بشر قاتل ابن صفية بالنار . فقتل ابن جرموز نفسه ، وقيل : قتل مع الخوارج . وكانت عائشة على جمل اتخذه جيشها بمثابة الراية واستمر الموت حوله . وسمي بيوم الجمل ، وقتل أكثر من ثلاثين ألف ، وانتصر عليهم الإمام علي فعاملهم معاملة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للطلقاء يوم فتح مكة . ( 2 ) في ( ب ) ، ( ج ) : أولا . والأصح ما في الأصل . أرجو أن يكون طلحة والزبير وعائشة قد تابوا . ( 3 ) إن صح الحديث فهو إخبار عن الحال ؛ لأن بعض المبشرين بالجنة في الحديث صدر منهم أمور تحير العقلاء ؛ فعثمان أنكر عليه الصحابة أشياء تسببت في قتله ، والذي لم يشترك في قتله منهم لم ينصره . وطلحة والزبير نكثا بيعة الإمام علي ( ع ) بدون مبرر وتسببا مع عائشة في قتل ثلاثين ألف أو أكثر في معركة الجمل ، وهذا الفعل من عظائم الأمور . ثم إن الحديث أحادي ظني ، رواه الترمذي رقم 3747 رغم ما أثير حوله من خلاف ، كما أن الترتيب فيه بين الصحابة يوحي بالصنعة ، وهو ما حمل كثيرا من علماء الزيدية وأئمة أهل البيت على رده ؛ لأن اللّه سبحانه - وهو الحكيم - لا يخبر أحدا أنه من أهل الجنة إلا إذا علم أنه لا يفعل كبيرة ، وإلا كان إغراء له على القبيح . وقد أجمعت الأمة على تفسيق من قاتل إمام حق ونكث بيعته وشق عصى المسلمين ، فكيف بالخلاف على من حكمه حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا في النبوة ؟ ومن حبه إيمان وبغضه نفاق ؟ وهذا دليل قاطع بعدم صحة الحديث . وهذا بخلاف العمومات الدالة على رضي اللّه عن أهل بيعة الرضوان وغيرهم التي تقبل التقييد في قوله تعالى : فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ؛ فالعموم يتناول من استمر على صلاحه إلى الموت ، والتقييد يخرج من انقلب . نسأل اللّه التوبة وحسن الخاتمة آمين .