الأمير الحسين بن بدر الدين
388
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
ذلك ففي تمام الخبر ما يهدم ما ادّعوه من الفضل ؛ فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أتاه جبريل عليه السّلام وأمره بالخروج ليصلي بهم فتمسّح وتوضّأ ، وخرج يتهادى بين عليّ والفضل بن العباس وقدماه تخطّان في الأرض حتى دخل المسجد « 1 » . وروي أنه لمّا سمع قراءة أبي بكر ، وعرف أنّ ذلك من عائشة أنكر عليها ، وقال : « إنّكنّ صويحبات يوسف » . ثم لمّا وصل المسجد نحّى أبا بكر عن القبلة وصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالناس وأزاح أبا بكر عن المحراب . فلو سلمنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر عائشة بتقديمه في الصلاة ؛ فقد روينا وروى المخالفون لنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخّر أبا بكر عن المحراب ؛ فيجب أن يكون ذلك نقصا لأبي بكر وليس بفضل ، ولئن كان التقديم تولية ؛ فالتأخير له أعظم عزل . فأما ما ادّعاه بعضهم من أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان متقدما على أبي بكر ، وأبو بكر صفّ وحده متقدم « 2 » على الناس ، فلو صح فهو غير دليل على الإمامة إنّما مثله مثل الصفّ الأول في الصلاة ، وحكمه حكمهم ، وهذا مما لا يختص به أبو بكر دون سائر صفوف المؤمنين المتقدمة في الصلاة . وأمّا قولهم : إنه كان يرفع صوته بالتكبير في الصلاة ليسمع الناس فليس بدليل على الفضل أيضا ؛ لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في حال ضعفه وعلته أقوى من قويّهم في حال شدته وصحته ، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى رفع أبي بكر صوته بالتكبير . وبعد فقد نهى اللّه عن رفع الأصوات فوق صوت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقد أتى أبو بكر بالمنهيّ عنه وذلك نقص فيه وليس بفضل . وتصديق ذلك ما رواه الإمام
--> ( 1 ) ما يقارب ذلك في طبقات ابن سعد 2 / 218 . والبخاري من رقم 633 إلى 651 . ( 2 ) في ( ب ) ، ( ج ) : صفّا وحده متقدما ؛ والنصب على أنه خبر كان ، وأبو بكر اسمها ، وحذفت لدلالة الأولى عليها ، واللّه أعلم ، المحقق .