الأمير الحسين بن بدر الدين

22

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

على أصل تلك العلة بالنقض والإبطال . فإن قيل : ولم قلتم بأنها أول الواجبات سوى التفكر ؟ . قلنا : لأنا قد دللنا على أن العلم بالثواب والعقاب لطف في واجب ، ومن حق اللطف أن يتقدم على الملطوف فيه ؛ لأنّ الغرض باللطف هو التقرّب من الملطوف فيه ، وقد بيّنا أنّه لا يتمّ من دون هذه المعارف ، وكانت متقدّمة على ما عدا التفكر من الواجبات . فإن قيل : دلّوا على وجوب التفكر ؟ . ثمّ دلّوا على أنه أول الأفعال الواجبة التي لا يعرى عن وجوبها مكلّف ليصح ما ذكرتموه ؟ . قلنا : الذي يدلّ على وجوب التفكر في الأدلة والبراهين الموصلة إلي معرفة ربّ العالمين ، وإلى سائر المعارف المعبّر عنها بأصول الدين - أنّه لا طريق للمكلفين إلى العلم بالله تعالى وبهذه المعارف سوى التفكر في الأدلة والبراهين ؛ لأنه تعالى لا يعرفه المكلفون ضرورة « 1 » مع بقاء التكليف « 2 » ؛ إذ لو عرف ضرورة لما اختلف العقلاء فيه « 3 » ؛ لأن العقلاء لا يختلفون فيما هذه حاله . ومعلوم أنهم قد اختلفوا فيه ،

--> ( 1 ) الضرورة : في اللغة الإلجاء ، قال تعالى : إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وفي العرف : يستعمل فيما يحصل فينا لا من قبلنا ، بشرط أن يكون جنسه داخلا تحت مقدورنا . وخالف في ذلك أصحاب المعارف كالجاحظ وأبي علي الأسواري ، فقالوا : إنه يعرف ضرورة . ينظر الأصول الخمسة 52 ، وشرح الأساس 1 / 62 . ( 2 ) لأن المحتضر وأهل الآخرة يعرفون اللّه ضرورة ، وخالف في ذلك أبو القاسم البلخي ، وقال : إنه كما يعرف دلالة في الدنيا فكذلك في دار الآخرة ؛ لأن ما يعرف دلالة لا يعرف إلا دلالة ، كما أن ما يعرف ضرورة لا يعرف إلا ضرورة . ينظر : شرح الأصول الخمسة 52 ، وشرح الأساس 1 / 62 . ( 3 ) ليس نفي من نفى اللّه سبحانه يدل على أنه تعالى لا يعرف ضرورة ؛ لأن النافي له لا ينفي إلا بلسانه لا بالاعتقاد ، ولا أعظم في النفي له سبحانه من قول عدوه فرعون لعنه اللّه : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فهذا قوله في الظاهر وهو في الباطن معترف