الأمير الحسين بن بدر الدين

250

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

لهم . وقد ذكره أيضا أبو علي الجبّائي . فإذا جوّزتم هذا في الواجب على الله تعالى فهلّا جوّزتموه في حقه الذي لا يجب عليه فعله ، والذي يقضى العقل بحسن إسقاطه ، والعفو عنه - لولا ما توعّد به من إنفاذه في المجرمين ، وتخليدهم فيه في الآخرة دون الدنيا . واحتجوا بأن ذلك تعريض لاعتقاد الجهل ، وهو قبيح ، فثبت أنه ليس بعقاب . والجواب : أن ذلك لا يصح ؛ لأنه إنما يكون تعريضا لاعتقاد الجهل ، متى دلّ دليل قطعي على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة . فأما إذا لم يكن هناك دليل قطعي : فالعقل يجوّز أن يكون عقوبة ، ويجوّز أن يكون مصلحة يقع معها الاعتبار ، ويجوّز أن يكون عقوبة لمن هو به ومصلحة لغيره . وإذا لم يكن هناك دلالة قطعية على المنع من كونه عقوبة ، بل ذلك باق على التجويز العقلي - لم يكن المكلّف معرّضا لاعتقاد الجهل . ثم يجوز أن يعلم أنه لا يجوز أن يكون عقوبة بأن يعلم قطعا أنه مؤمن كما أشار إليه المرتضى لدين الله عليه السّلام . وهذا مبني على أن المرء يمكنه أن يعلم ذلك من نفسه ، وهو الأصوب ؛ فإنه يعلم قطعا بالعقل والشرع أن التائب لا عقاب عليه ، ويمكنه أن يعلم قطعا أنه تائب ، نحو من لا يكون عليه تبعات للآدميين أصلا ؛ فإنه متى تاب إلى الله تعالى على الجملة والتفصيل الممكن له - علم قطعا أنه تائب ، فيعلم قطعا أنه في تلك الحال مؤمن غير معاقب أصلا . ولا يلزم على هذا أن يقال : فيجب إذا تاب العاصي هذه التوبة أن يزول مرضه لأنا نقول : يجب أن يزول مرضه بلا إشكال إذا لم يكن في إنزاله وجه سوى كونه عقوبة . وأما إذا كان مفعولا لوجهين : أحدهما كونه عقوبة . والثاني كونه مصلحة فإنه لا يستمر إلّا لكونه مصلحة فقط ، ولا يجوز أن يقال : إن نفس ما يستحق به الاستخفاف