الأمير الحسين بن بدر الدين
233
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
إلى العلم بعدله وحكمته تعالى ، وصحّ « 1 » لنا أنّ أفعاله كلها حسنة ، ثمّ علمنا أن هذا التكليف من فعله - علمنا يقينا أنّه حسن ، وإن لم نعلم « 2 » وجه الحكمة فيه . ولو ورد علينا الالتباس عند الاستكشاف عن وجه حسنه لوجب أن لا يزيلنا ذلك عن العلم بحسنه مع ثبوت الأصلين الأوّلين : وهما أنه من فعل الله تعالى ، وأفعاله كلّها حسنه . كما أنه قد يرد علينا الالتباس في المشاهدات « 3 » ، وإن لم يكن مزيلا عن العلم بالمشاهدات رأسا . كذلك في مسألتنا . دليل ثان - وهو أن الوجه الذي حسن لأجله تكليف من المعلوم أنّه يؤمن ثابت في من المعلوم أنّه يكفر ، وذلك لأنّ الأوّل إنّما حسن لكونه تعريضا للمكلّف للثواب على ما تقدم ، وهذا بعينه قائم في تكليف من المعلوم أنه يكفر . وإنّما يفترقان من حيث أن المؤمن أحسن الاختيار لنفسه ، وأجاب داعي عقله فآمن . ولم يحسن الكافر الاختيار لنفسه ، ولا أجاب داعي عقله ، بل أجاب داعي شهوته فلم يؤمن ؛ وذلك لا يخرج القديم من أن يكون متفضلا عليهما على سواء ، وصارت الحال في ذلك كالحال فيمن قدّم الطعام إلى جائعين قد أشرفا على الهلاك لمكان الجوع ؛ فتناول أحدهما من ذلك الطعام فلم يمت ، ولم يتناول الأخر فمات وهلك . فكما أنّ المقدّم للطعام يكون منعما عليهما جميعا ، ولا يقال : إنه منعم على الذي قبل دون من لم يقبل . كذلك الحال في مسألتنا .
--> ( 1 ) في ( ب ) : وضح ، بناء على أنها جواب متى لأن جواب متى : علمنا . والأصح ما في الأصل . ( 2 ) في ( ب ) : وإن لم نعقل . ( 3 ) يعني ما في الأرض والسماوات من مخلوقات لا نعلم الحكمة منها كالحشرات والحيات والسباع كريهة المنظر وغيرها .