الأمير الحسين بن بدر الدين

191

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

وأما الموضع الثاني : وهو في كيفية إضافته إلى اللّه تعالى وكيفية حمل ما في القرآن من ذلك فاعلم أنّ الضلال على ضروب : منها ما يصح أن يفعله اللّه تعالى بالجميع ، وهو الضلال بمعنى الهلاك والذهاب والتقطيع ؛ فإنه لا بدّ من إماتة كل مخلوق لقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] ، ولا بدّ بعد ذلك من الذهاب والتقطيع والعدم لقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] أي كل شيء فان إلّا ذاته « 1 » . ولأنّ ذلك معلوم من دين النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ضرورة . ومنها ما يفعله اللّه تعالى ببعض المكلفين دون بعض ، وهو الضلال بمعنى العقاب وما أشبهه ؛ فإنه تعالى إنما يفعل ذلك ؛ بمن يستحقه من العصاة دون من لا يستحقه ؛ لأن العقاب لمن لا يستحقه يكون قبيحا على ما يأتي بيانه ، وهو تعالى لا يفعل القبيح على ما مضى بيانه . ومن ذلك قوله تعالى : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [ إبراهيم : 27 ] . وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] . ونحو ذلك « 2 » .

--> ( 1 ) غريب القرآن للإمام زيد ص 244 ، وقال : معناه إلا هو ، ويقال : ما أريد به وجهه من الأعمال الصالحة ، وهو قول مجاهد كما في الدر المنثور 5 / 267 . والكشاف 3 / 437 . ( 2 ) أول الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ . . . الآية ، قال الزمخشري : وإسناد الضلال إلى اللّه تعالى إسناد الفعل إلى السبب ؛ لأنه لمّا ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم - تسبّب في ضلالهم وهداهم . أقول : هذا هو تفسير العلماء الراسخين فلله أم أنجبت مثل الزمخشري . [ الكشاف 1 / 118 ] أما قراءة الإمام زيد يضلّ بفتح الياء فلا إشكال فيها . [ الكشاف 1 / 119 ] ، وسماها في الدر