الأمير الحسين بن بدر الدين
164
ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة
ذلك فقوله : وَما رَمَيْتَ أي ما بلغت رميتك حيث بلغت بك ، ولكنّ اللّه بلّغ وملأ بها عيون الكفار . وقيل : ولكنّ اللّه وفّقك وسدّد رميتك . وقيل : وما أصبت إذ أصبت ولكنّ اللّه أصاب ، وذلك ثابت في لغة العرب ؛ فإنهم يصفون الإصابة بلفظ الرّمي ؛ ولذلك قالوا في المثل : « ربّ رمية من غير رام » . ومعلوم أنّ الرّمي لا يكون إلا من رام ، وإنما أرادوا إصابة من غير حاذق بالرمي . فمعنى ذلك أنّك لم تصبهم حيث رميت ولكن اللّه رماهم أي أصابهم . والإصابة من اللّه ، والرمي من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وإذا ثبت ذلك كانت الآية على خلاف مذهبهم أولى بالدلالة منها على موافقة مذهبهم ؛ لأن المعلوم أنّ الصحابة ( رض ) هم الذين قتلوا الكفّار في يوم بدر . والمعلوم أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي « 1 » رمى ؛ ولهذا أضاف اللّه تعالى الرمي إلى نبيّه بقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ [ الأنفال : 17 ] ولهذا يضاف إلى السيّد ما يفعله غلامه ، فبطل قولهم . ومما تعلقوا به قول اللّه سبحانه حكاية عن إبراهيم عليه السّلام : قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ الصافات : 95 - 96 ] ، قالوا : فأخبر أنّه خلقهم وخلق أعمالهم مع كونها كفرا ومعصية « 2 » . والجواب : أنّ معناها وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ أيها القوم وَما تَعْمَلُونَ أي وما تعملون فيه ، وهو الأصنام ، ولم يرد أعمالهم وهي حركاتهم المعدومة ؛ لأن المعبود هو الخشب المنحوتة دون عملهم ؛ لأنّه احتجّ عليهم ، فلا يجوز أن يورد لهم حجة عليه ؛
--> ( 1 ) الذي محذوفة من ( ب ) . ( 2 ) ينظر الرازي 13 / 150 . وجامع البيان مج 12 ج 23 ص 89 .