الأمير الحسين بن بدر الدين

126

ينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة

العقل ؛ لأن القول برؤيته تعالى يوجب « 1 » كونه محدودا في محاذاة ما ؛ إذ الرؤية لا تصحّ إلا على متحيّز . أو قائم بمتحيّز ، مثل الكون لا ينطبق إلا على جسم متحيز ، وقد ثبت حدوث المتحيزات وقدمه تعالى ؛ فلا يجوز القول بخلافه . ومنها أنّ القول بجواز رؤيته تعالى يؤدي إلى مناقضة القرآن ، نحو قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ، وذلك عموم لا تخصيص فيه . وقوله تعالى لموسى عليه السّلام : لَنْ تَرانِي ، فنفى نفيا عامّا . وإذا كان القول بمناقضة القرآن محالا كان ما أدّى إليه محالا ، وهو القول برؤيته تعالى ؛ لأن ما أدى إلى المحال فهو محال . ومنها أنّ نمط الآية لا ينبئ عن الرؤية بل يبطلها ؛ لأنه تعالى قال في نقيضه : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [ القيامة : 24 - 25 ] فلمّا أوجب للكفار خوف العقاب دون المنع من الرؤية - وجب أن يكون ما وعد به المؤمنين انتظارا للثواب دون الفوز بالرؤية . « 2 » ومنها أنّ الوجه لا يرى ولا يكون رائيا على الحقيقة ، فلا يجوز حمل قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 - 23 ] ، على الرؤية ، وذلك شائع في اللغة ، قال حسان بن ثابت :

--> ( 1 ) في ( ج ) : توجب ويوجب ، وفي الأصل : توجب ، وفي ( ب ) : يوجب وهو الأظهر ، ولذلك أثبتناه . ( 2 ) يقال في علم البلاغة إن في الآيات مقابلة ، وهي لون من ألوان البديع فقابل بين وجوه ناضرة أي مشرقة جميلة بقوله : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ أي قبيحة كالحة ، وناظرة بمعنى منتظرة لرحمة اللّه قابلها بقوله في أهل النار : تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ! أي تتوقع البوار كما تنتظر تلك النعيم ، هذا هو النّسق العالي للقرآن ، ولا معنى للرؤية هنا مطلقا ؛ لأن نظم القرآن سيكون شاذّا بشعا إذا قلنا : وجوه جميلة ترى اللّه ، ووجوه قبيحة تتوقع الهلاك ، ولهذا فلا يجوز تحميل القرآن ما لا يحتمل .