ابن قيم الجوزية
8
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
حاضرهم وباديهم ، الذي بشرت به الكتب السالفة ، وأخبرت به الرسل الماضية ، وجرى ذكره في الاعصار في القرى والأمصار والأمم الخالية ، ضربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر ، إلى عهد المسيح ابن البشر ، كلما قام رسول أخذ عليه الميثاق بالايمان به والبشارة بنبوته حتى انتهت النبوة إلى كليم الرحمن ، موسى بن عمران فأذّن بنبوته على رؤوس الاشهاد بين بني إسرائيل معلنا بالاذان « جاء اللّه من طور سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران إلى أن ظهر المسيح ابن مريم عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم فأذن بنبوته أذانا لم يؤذنه أحد مثله قبله ، فقام في بني إسرائيل مقام الصادق الناصح وكانوا لا يحبون الناصحين فقال : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ، فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [ الصف : 60 ] تاللّه لقد أذن المسيح أذانا أسمعه البادي والحاضر ، فاجابه المؤمن المصدق وقامت حجة اللّه على الجاحد الكافر ، اللّه أكبر اللّه أكبر عما يقول فيه المبطلون ويصفه به الكاذبون ، وينسبه إليه المفترون والجاحدون ثم قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، ولا ند له ولا كفؤ له ، ولا صاحبة له ولا ولد له ، بل هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، ثم رفع صوته بالشهادة لأخيه وأولى الناس به بأنه عبد اللّه ورسوله ، وأنه أركون « 1 » العالم ، وانه روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه انما يقول ما يقال له وانه يخبر الناس بكل ما أعد اللّه لهم ، ويسوسهم بالحق ، ويخبرهم بالغيوب ويجيئهم بالتأويل ، ويوبخ العالم على الخطيئة ، ويخلصهم من يد الشيطان ، وتستمر شريعته وسلطانه إلى آخر الدهر وصرح في أذانه باسمه ونعته وصفته وسيرته حتى كأنهم ينظرون إليه عيانا ، ثم قال حي على الصلاة خلف إمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين ، حي على الفلاح باتباع من السعادة في اتباعه ، والفلاح في الدخول في زمرة أشياعه ، فأذن وأقام وتولى وقال : لست أدعكم كالأيتام ، وسأعود وأصلي وراء هذا الامام ، هذا عهدي إليكم ان حفظتموه دام لكم الملك إلى آخر الأيام » فصلى اللّه عليه من ناصح
--> ( 1 ) الأركون الرئيس والمقدم والدهقان المعظم . يونانية .