ابن قيم الجوزية
39
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
وقد كان عندي شيء جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بقبا فدخلت عليه ، فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذو وحاجة ، وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم ، فقربته إليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه « كلوا » وأمسك فلم يأكل ، فقلت في نفسي هذه واحدة ، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به ، فقلت إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها ، فاكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمر أصحابه فأكلوا معه ، فقلت في نفسي هاتان اثنتان ، ثم جئت رسول اللّه وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليّ شملتان لي وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت انظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي ، فلما رآني صلى اللّه عليه وسلم استدبرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي ، فألقى الرداء عن ظهره ، فنظرت إلى الخاتم فعرفته ، فأكببت عليه أقبله وأبكي ، فقال لي صلى اللّه عليه وسلم : « تحول » فتحولت فجلست بين يديه ، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، فاعجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه ، ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدر وأحد ، قال سلمان ثم قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كاتب يا سلمان » فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير ، وأربعين أوقية ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعينوا أخاكم » فأعانوني بالنخل : الرجل بثلاثين ودية ، والرجل بعشرين ودية ، والرجل بخمسة عشر ، والرجل بعشر ، يعينني الرجل بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية ، فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فأتني أكن أنا اضعها بيدي » ففقرت ، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته ، فخرج معي إليها ، فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده حتى فرغت ، فهو الذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة ، فأديت النخل وبقي على المال ، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن ، فقال « ما فعل الفارسي المكاتب » فدعيت له فقال : « خذ هذه فادها مما عليك يا سلمان » فقلت : وأين تقع يا رسول اللّه مما علي ؟ ! خذها فان اللّه سيؤدي بها » فاخذتها فوزنت منها لهم والذي نفسي بيده أربعين أوقية فاوفيتهم حقهم ، فشهدت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم