ابن قيم الجوزية
16
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
أصناف » قد طبقوا الأرض : يهود ، ونصارى ، ومجوس ، وصابئة ، ومشركون وهذه الأصناف هي التي كانت قد استولت على الدنيا من مشارقها إلى مغاربها . فاما « اليهود » فأكثر ما كانوا باليمن وخيبر والمدينة وما حولها ، وكانوا بأطراف الشام مستذلين مع النصارى ، وكان منهم بأرض فارس فرقة مستذلة مع المجوس وكان منهم بأرض العرب فرقة وأعز ما كانوا بالمدينة وخيبر ، وكان اللّه سبحانه قد قطعهم في الأرض أمما وسلبهم الملك والعز وأما « النصارى » فكانوا طبق الأرض : فكانت الشام كلها نصارى ، وأرض المغرب كان الغالب عليهم النصارى وكذلك أرض مصر والحبشة والنوبة والجزيرة والموصل وأرض نجوان وغيرها من البلاد وأما « المجوس » فهم أهل مملكة فارس وما اتصل بها وأما « الصابئة » فأهل حران وكثير من بلاد الروم وأما « المشركون » فجزيرة العرب جميعها وبلاد الهند وبلاد الترك وما جاورها وأديان أهل الأرض لا تخرج عن هذه الأديان الخمسة ، ودين الحنفاء لا يعرف فيهم البتة ، وهذه الأديان الخمسة كلها للشيطان كما قال ابن عباس رضي اللّه عنهما وغيره : الأديان ستة واحد للرحمن وخمسة للشيطان : وهذه الأديان الستة مذكورة في آية الفصل في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ الحاج : 17 ] فلما بعث اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم استجاب له ولخلفائه بعده أكثر الأديان طوعا واختيارا ، ولم يكره أحدا قط على الدين ، وانما كان يقاتل من يحاربه ويقاتله ، وأما من سالمه وهادنه فلم يقاتله ولم يكرهه على الدخول في دينه امتثالا لامر ربه سبحانه حيث يقول : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ البقرة : 256 ] وهذا نفي في معنى النهي ، أي لا تكرهوا أحدا على الدين ، نزلت هذه الآية في رجال من الصحابة كان لهم أولاد قد تهودوا وتنصروا قبل الاسلام ، فلما جاء الاسلام أسلم الآباء وأرادوا اكراه الأولاد على الدين ، فنهاهم اللّه سبحانه عن ذلك حتى يكونوا هم الذين يختارون الدخول في الاسلام والصحيح ان الآية على عمومها في حق كل كافر ، وهذا ظاهر على قول من يجوز أخذ الجزية من جميع الكفار ، فلا يكرهون على الدخول في الدين ، بل اما أن يدخلوا في الدين وإما أن يعطوا