ابن قيم الجوزية

14

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

لو خلصت من الشوائب ، وكانت خالصة لوجهه واقعة على وفق أمره ، وما هو واللّه الا التعلق بأذيال عفوه وحسن الظن به ، واللجأ منه إليه والاستعاذة به منه والاستكانة والتذلل بين يديه ، ومدّ يد الفاقة والمسكنة إليه ، بالسؤال والافتقار إليه في جميع الأحوال فمن أصابته نفحة من نفحات رحمته أو وقعت عليه نظرة من نظرات رأفته انتعش من بين الأموات وأناخت بفنائه وفود الخيرات ، وترحلت عنه جيوش الهموم والغموم والحسرات . وإذا نظرت إليّ نظرة راحم * في الدهر يوما انني لسعيد [ من حقوق اللّه رد الطاعنين على الرسول ] ( فصل ) ومن بعض حقوق اللّه على عبده رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان ، والسيف والسنان ، والقلب والجنان ، وليس وراء ذلك حبة خردل من الايمان وكان انتهى إلينا مسائل أوردها بعض الكفار الملحدين على بعض المسلمين فلم يصادف عنده ما يشفيه ، ولا وقع دواؤه على الداء الذي فيه ، وظن المسلم انه بضربه يداويه فسطا به ضربا وقال هذا هو الجواب ! فقال الكافر : صدق أصحابنا في قولهم : إن دين الاسلام انما قام بالسيف لا بالكتاب ! فتفرقا وهذا ضارب وهذا مضروب ، وضاعت الحجة بين الطالب والمطلوب ، فشمّر المجيب ساعد العزم ، ونهض على ساق الجد وقام للّه قيام مستعين به مفوض إليه متكل عليه في موافقة مرضاته ، ولم يقل مقالة العجزة الجهال : إن الكفار انما يعاملون بالجلاد دون الجدال ، وهذا قرار من الزحف ، واخلاد إلى العجز والضعف ، وقو أمر اللّه بمجادلة الكفار بعد دعوتهم إقامة للحجة وإزاحة للعذر لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [ الأنفال : 42 ] والسيف انما جاء منفذا للحجة ، مقوما للمعاند ، وحدا للجاحد ، قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحديد : 25 ] فدين الاسلام قام بالكتاب * الهادي ونفذه السيف الماضي