ابن قيم الجوزية

12

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

( فصل ) والصنف الثاني « المثلثة » أمة الضلال وعباد الصليب ، الذين سبوا اللّه الخالق مسبّة ما سبّه إياها أحد من البشر ، ولم يقروا بأنه الواحد الاحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء ، بل قالوا فيه ما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ، وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا [ مريم : 90 ] ، فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها ان اللّه ثالث ثلاثة ، وان مريم صاحبته وان المسيح ابنه ، وانه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة ، وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن ، فدينها عبادة الصلبان ، ودعاء الصور المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان ، يقولون في دعائهم : يا والدة الإله ارزقينا ، واغفري لنا وارحمينا ! فدينهم شرب الخمور وأكل الخنزير ، وترك الختان ، والتعبد بالنجاسات ، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة ، والحلال ما حلله القس والحرام ما حرمه ، والدين مشرعه ، وهو الذي يغفر لهم الذنوب ، وينجيهم من عذاب السعير . ( فصل ) فهذا حال من له كتاب وأما من لا كتاب له : فهو بين عابد أوثان ، وعابد نيران وعابد شيطان ، وصابئ حيران يجمعهم الشرك ، وتكذيب الرسل ، وتعطيل الشرائع ، وانكار المعاد وحشر الأجساد ، لا يدينون للخالق بدين ، ولا يعبدونه مع العابدين ، ولا يوحدونه مع الموحدين . وأمة « المجوس » منهم تسفرش الأمهات والبنات والأخوات ، دع العمات والخالات ، دينهم الزمر ، وطعامهم الميتة ، وشرابهم الخمر ، ومعبودهم النار ، ووليهم الشيطان ، فهم أخبث بني آدم نحلة ، وارداهم مذهبا ، وأسوأهم اعتقادا . ( وأما ) « زنادقة الصابئة وملاحدة الفلاسفة » فلا يؤمنون باللّه ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا لقائه ، ولا يؤمنون بمبدإ ولا معاد ، وليس للعالم عندهم رب فعال بالاختيار لما يريد قادر على كل شيء ، عالم بكل شيء ، آمر ، ناه ، مرسل الرسل ، ومنزل الكتب ، ومثيب المحسن ، ومعاقب المسئ ، وليس عند نظارهم الا تسعة أفلاك وعشرة عقول وأربعة أركان ، وسلسلة ترتيب فيها الموجودات هي بسلسلة المجانين أشبه منها بمجوزات العقول . ( وبالجملة ) فدين الحنيفية الذي